لا شيء لهذه الليلة

Posted on يناير 5, 2017

0


القصّة التّي وصلت للائحة القصيرة في مسابقة “بحر الكلمات” الإصدار التاسع للبلدان الأورومتوسطية

شعرت بالضيق وهو يمسح بيده على كامل ملابسي، يتحسّس المناطق الناتئة، يصعد هضابا ويهبط إلى أسفل. أردت أن أهرب لكنّني لم أفعل. ظلّ يحاول أن يحشر جسده بجسدي في أماكن ضيقة. ينتشلني من بين مجموعة الأولاد التي تلعب الغميضة كما لو كنت شعرة. عرفت أنّ شيئا ليس صحيحا يأخذ مكانه. لم أخبر أحدا. اسمي عليا. كانت أمي تنتظرني صبيا. لكنّني خالفت كامل قواعد اللعبة التي تعد المرأة بذكر في رحمها. أحبّت الحامض ولم أتوقف عن ركلها طوال فترة الحمل. لكنّني بالنهاية جئت البنت الخامسة على أربع بنات أخريات. ” كمان بنات” قال أبي للداية التي ساعدتها في ولادتها العسيرة. أمي تقول أنّني ملئت الحي بصراخي وسبّبت بهجر بيتين أو ثلاثة منه. ” بنت وبتبكي” يصرخ وهو يصفق الباب خلفه في موعد خروجه إلى السهرة كلّ يوم.

لم أعرف يوما أين يذهب أبي، وأين تذهب الأموال التي يجنيها من محاله في السوق. سمعت أمي تقول لأخوها ” هلكني هل الزلمة الله وكيلك لوج الصبح، وبيرجع الريحة طالعة من تمو وجيابو فاضيين”

ليرد عليها “مش إنت بدك ياه، هيدا زلمتك بدك تتحملي”.

“بدك تتحمّلي”، الجملة الأشهر في حياتنا نحن النساء، علينا أن نتحمّل الخيانة والقرف والزوج المعنف والمختل. علينا أن نتحمّل حتّى لا يقع الهيكل فوق رؤوسنا، كأنّ العيش في هيكل مزعزع هو الخيار الوحيد.

ظلّت أمي تبكي بصمت، توّد لو أنّها تستطيع فعل أيّ شيء ليكون بيتها ” بيت عيلة مرتبة”. كانت لا تتكلم عن أبي أبدًا. وتمارس مهامها اليومية كفريضة صلاة، لا يحتاج  ليسأل حتى يكون أيّ شيء تحت إمرته. تدْعك له قدماه، تحاول أن لا تخطأ في حضرته، كأنّه السيد وهي الجارية. لم تعترض على هذا الدور بتاتًا. كان اعتراضها على خروجه اليومي إلى سهرات حمراء يعود أبي بعدها إلى البيت فاقد الوعي غير قادر على التمييز بين امرأته وابنته.

كتلةُ لحمية صغيرة وضعت حدا لآلامها تلك. تلاشت أمي كومضة. كان السرطان قد أكل جسدها بعد أن أتى أبي على الروح. وضع الرجل العظام الملفوفة بجلد في صندوق خشبي وانطلق به الى مسقط رأسها. وهنالك أهال التراب عليها ودفن مع ذلك الصندوق مرحلة من حياته وصفها بالرتيبة وأسدلنا نحن معه الستارة على شيءٍ كان يسمى عائلة.

أقبل أبي على متع الحياة. صارت السهرات تمتد والعودة إلى البيت فاقد الوعي أو حتى عدم العودة أمرا عاديا. إلى أن جاء ذاك اليوم الذي أدخل فيه إلى حياتنا تلك المرأة. كان من المفترض أن تكون خالتنا. لكنها كانت في مثل عمرنا. زوجته الجديدة بشعرها الملون وحركاتها المفعمة بالدلع أخذت عقل أبي ولم تعده إلى مكانه. تحوّل إلى طفل بين يديها. ربما أفقده السهر القدرة على الحسم والمهابة التّي كان يتمتع بها في حياة أمي. مع هذه المرأة تغير كلّ شيء. أصبحت هي الآمر الناهي وسيطرت على كامل تفاصيل البيت ومدخوله وما يصرف فيه.

ونحن البنات الخمسة تحولنا إلى جنود محكومين بالطاعة العمياء للضابط. سمعتها ذات مرة تقول له، ” لم يعد يكفينا مدخول المحل، البنات لازم يشتغلوا”

” شو بدن يشتغلوا من البيت ما بيعرفوا يضهروا”

“ما عليك أنا بدبرلن شغل”

وكان أن وجدت لنا العمل الذي قالت لأبي عنه أنّه سيضمن لنا العيش إلى ولد الولد. أرادت تحويلنا إلى بائعات هوى، كنا صفقة مربحة، خمس بنات جميلات لم يمسسهن أنس ولا جان. قليل من الرتوش وستكون الليلة الحمراء الواحدة بمبلغ محترم. استدعت رجل سيغدو مدير أعمالنا، عرفناه باسم جمال، كان ضخم الجثة قاسي الملامح، قادر على حملنا نحن الخمسة بيد واحدة.

اشترت لنا ملابس مثيرة علمتنا أن ندهن أجسادنا بالكريمات وأن نبقى على أهبّة الاستعداد لأي استدعاء طارئ. علّمتنا أصول المهنة كيف ندخل ونخرج كنسمة رقيقة من دون أن نزعج “الزبون” حتى ننال إكراميات إضافية. لم تكن تردنا رخيصات كانت تريدنا فتيات “”VIP.

أختي الكبرى فاتن لم تحتمل. أمي ربّتها على فكرة الشرف، زرعت فيها الخوف من كلام الناس. السمعة الناصعة وشرف البنت المرتبط ببكارتها التّي يجب أن لا تفض إلا بتبريكات إلهية. قررت أن تهرب من هذا الماخور. أعدّت العدة، وقالت لا تنتظرنَني، سأكون بخير. لكنها لم تكن كذلك، بعد يومين جلبها جمال، وتوعدها إن هي أعادت الكرة ” وين مفكرة حالك عايشة”. لكن فاتن أعادت الكرّة، هذه المرة بطريقة نهائية وإلى مكان لن يقدر جمال على الوصول إليه. وضعت حدًّا لحياتها، وجدناها غارقة بدماء معصمها دون حراك، جثّة صفراء لا حياة فيها. مرة ثانية، كان على أبي أن يقود السيارة إلى مسقط رأسه حتى يدفن ابنته قرب جسد زوجته السابقة. لكن هذه المرة لم يعد أبي كما كان، لقد دفن روحه هناك إلى جنب جسد فاتن ابنته الكبرى وفرحته الأولى. عاد أبي ولم يعد ولم يمر إلّا قليل من الوقت حتى كان علينا أن نذهب مرة ثالثة إلى مدافن العائلة ونهيل التراب عليه.

أصبحنا أربعة وزوجة أبي ولم يعد بيتنا يخلو من جمال. وأصبح العمل مكشوفا أكثر، كأنّ وفاة أبي كانت إعلان مرحلة جديدة من البيزنيس، صرنا “شراميط” بالمعنى السوقي للكلمة. وصار العمل ضاغطًا مفتوحا أمام كل من يرغب بالمتعة. كان علينا أن نفتح سيقاننا ما يقارب العشر مرات. وكان العمل يشتد في نهاية الأسبوع وفي الليل. واستقدمت قوادتنا فتيات جديدات. الطلب يزدهر والزبائن يزدادون وعليها أن تلبي احتياجات السوق.

سهى، امرأة من الشام، أرسلها زوجها إلى هنا لتعمل في البيوت، قبض عربونا من الرجل الذي قال أنّه سيدبر لها المنازل التي ستعمل فيها. لكن  البيوت التي عملت فيها سهى لم تكن بيوتا وسخة، كانت أوكارًا تُشبع النساء فيها رغبات الرجال. كما يريد ويرغب وأيّ اعتراض سيعرضها لحرمان من الأكل. ذلك أنّ الأجر كان مدفوعا سلفا.

لم تعرف سهى ماذا تفعل بعد أن باعها زوجها وعلقت هنا في هذا البيت، كيف تفتك من هذا العالم، ظلّت فقط تحافظ على البقاء وتربّي أملًا ضعيفًا بقصّة حبٍّ تجمعها مع زبون ينتشلها من المستنقع. حتى أنا كان السجن يطبق عليّ أكثر فأكثر. صرت أشعر بالوسخ. كأنّني قطعة نفايات كبيرة. يحوم حولها الذباب أكثر فأكثر. كان خوفنا يزداد يوما بعد يوم، خاصة بعد أن فقدنا راما تحت عملية إجهاض أجراها لها طبيب جلبه جمال في الغرفة الضيقة جنب المطبخ. كتب لها وصفة طبية وطلب منها أن ترتاح. لكن راما كانت ذات قوام حسن ممشوق وعينان ملونتان وسحنة لوحّتها شمس جبال سنجار. لم تستطع أيّ منّا أن تُرضي زبائن راما. كان عليها أن تتابع العمل بعد يومين من العملية. اختلاط الدم بالمني لن يثير قرف الزبون ما دام الوجه الصبوح سيطالعه. يومان وغابت راما عن الوعي بعد نزيف دم مستمر لم تستطع الراحة لئمه. تركتها زوجة أبي تئنّ وتنزف كانت الساعات كفيلة بأن تُخمد هذه الروح التّي هربت من ترويع لتقع في خوف آخر. غطّاها جمال ببطانية قذرة ورماها في نهر المدينة الضحل.

هل فكر هؤلاء الرجال أننا لسنا ماكينات، لأنهم كانوا يعاملوننا كذلك. مروى وصباح أختاي افتتح لهما جمال بيتًا جديدا. قال إنّ العين احمّرت على هذه الشقة، علينا أن نخفّف من أقدام الرجال. بقيت أنا وأختي ابتسام وامرأة أبي وسهى لندير الشقة القديمة. كان العمل قد أضحى ممّلا لدرجة أن تتحول إلى جيفة يضع فيها أحدهم قطعة مطّاطيّة لا أكثر.

أردت أن أخرج، أن استأصل العفن المتأصل في هذا المكان. أردت أن أخلع ولو جلدي حتى أتخلص من لمسات الرجال ورائحتهم. كنت أسمع الهمسات ورائي، وأرى لنظرات نساء الحي التي تلومنّني على اختيار هذه الحياة. لو لم ترد هذا لهربت، هي ولدت لتكون بائعة هوى. هي اختارت هذا الطريق. واختارت أن تلوث سمعتها وسمعة أهلها الذين صاروا تحت التراب،

” الله يلعن هيك خلفة”.

وصلت الشقة لأرى زوجة أبي مرعوبة، قالت لي “ضبي غراضك فالين من هون، كمشوا إخواتك”.

زجّ بأختاي بالحبس بتهمة الدعارة غير المشروعة، لعب الحظ معي، لو أنا من اختاره جمال لإطلاق مشروع البيت الجديد لكنت بالحبس الآن. هذه فرصتي عليّ أن أرحل. أردت أن أهرب إلى أي مكان لا أكون فيه حبيسة صفة. هذه فرصتي كي أثبت لنفسي  أولًا أنّني لا أريد هذه الحياة. جمعت أغراضي، تركت كلّ شيء خلفي، لم أنظر إلى الجدران، لم أنظر إلى أيّ أحد، أردت أن أفقد ذاكرتي، أن أتخلص من كل هذا العفن ومن نظرات الحي وسباب النساء على كوني أداة إلهاءٍ لصبيانهم، حملت حقيبتي الصغيرة، صفقت الباب كما كان يفعل أبي، وخرجت، وكان آخر ما بان مني هو انعكاس ظلي على رصيف الحي. انتهى.

Advertisements