الحنين إلى نوكيا

Posted on يناير 4, 2017

0


أعرف أنّني مللت اللمس، أحاول أن أحرك كلّ شيءٍ بيدي. أحاول أن أختار طقسًا ملائمًا لمنظر خلف النافذة، أن أرفع الغمام من السماء، أن أحشد مزيدًا من الطيور، ألطّف النسيم العابر أمام الزجاج، أحرّك أصابعي أمامها، أضع بصمتي على كل شيء، كأنّ اللمس هو معبرنا إلى العالم الآخر. أحيانًا أحنّ إلى هاتف أحمر صغير، إلى أزرارٍ ناتئة كانت تصدر صوتًا عندما نكبسها، أحنّ إلى جهازٍ يُفتح ولا يقول لك إعطي رأيك، ماذا تفعل اليوم يا صديقي، بما تشعر.

فلنقل أنّه عقدٌ من الزمن مر قبل أن تنتفخ العقول، قبل أن نعرف أدّق التفاصيل عن غرف نوم الأشخاص وماذا يحبّون وكيف تبدو تعاريج وجههم عند الاستيقاظ من النوم، وهل أصابهم إسهال فضلات أو معلومات لا فرق. عقدٌ مرّ قبل أن نملك تلك القدرة على إعطار الرأي في كلّ شيءٍ ومناقشة مشاكل القطب الشمالي، والحديث عن أفعال رئيس نقروكزيا وهل يجدر به مراجعة دفتر أعماله. عشر سنوات ونحن نظن أننا نحرّك خيوط العالم، نغرق في العظمة و الإعجابات والمتابعين، نتحول إلى شرطة في وجه كل من لا يعجبنا رأيه، نفور فورة لئيمة، ننقسم، تملئنا الكراهية، حتّى لو كانت افتراضية، ستراها تتدفق من الشاشات وتحتل وجه سائق التاكسي صباحًا، وتراها عند بائع الخضار، أو ربّما تتسكع قرب درجٍ في عتمة مدينةٍ مهجورة.

هل كنّا أحياء وقتها، لا أعرف، لكنّني أذكر الكراهية، وخاتمًا ذهبيًا، وجسدًا يحترق، يملئ الشاشات. كنّا كما الآن، لكن بل كلمات تكتب على الشاشات، وبلا سكرين شوت محفوظة في الأدراج. كان الخطاب هو ذاته لكن بين جماعات مغلقة، لا يخرج حديثها إلى الشاشات، ولا تنتشر الفضائح، كانت كراهيةً مكبوتة، وعفنًا متأصلًا في النفوس من دون أن تتقيأه البشرية أمامك. كان الكلام يوّجه في دوائر ضيقة، لا منابر له تتبناه، تذروه الرياح.

صدّقني يا صديقي لم أعد أشعر بشيء. أنظر إلى البحر الهائج أمامي، وأعجز عن أن أرمي قليلًا من الكلام، أعجز كليًا، كأنّ أحدهم رمى تعويذةً عليّ، لا رأي لي بشيء صدّقني، لا يهمّني، وأنا لا أعرف إلى الآن لماذا أحرق نفسي في متابعة كلّ ذلك الكلام، ولما أُجهدها في ملاحقة ما يقوله علتان.

نتعب من النقاش، كأن الحلول تقبع خلف أبوابنا ونحن العاجزون عن اختيار ساعة نومنا و طبقٍ نسدّ به جوعنا. ترهقني ذوات البشر، هذه القدرة العجيبة للمخلوقات البشرية في التصنيف والتأليه والتدنيس. قدرتهم على فتح آبار الكلام، وعلى الإيمان بصوابية ما يقولون. قدرتهم الثانية على إمكانية الإقناع.

قدرتهم العجيبة على صفّ الحروف واختراع الحروب، كل ذلك بلمسة، تتحوّل الحسابات إلى عداوة، وإلى متاريس، وإلى جنّة ونار، كلّ ذلك ضمن توليفة عجيبة عن حرية في الآراء. خلطة من السخرية تكبر ككرة ثلج تطيح بكل من يخالف قواعد اللعبة غير منظمة القوانين، خلطة عجيبة ستصيب كلّ من يجرؤ على لمسها إن لم تفعلها اليوم فغدًّا . لا بدّ أن أحدهم، ربّما جنديّ مجهول قد حفظ لك رأيًا لا يعجبه فيما يتعلق ببلاد الواق الواق.

أحبّ من الكتّاب الذين لا يتكلمون، وأحبّ من الكتب التّي لم تحز على إعجاب الجمهور، ولم يقرأها كلّ البشر، ولم تُطبع منها ملايين النسخ. وأحبّ الصمت، وأحبّ أنّني بلا رأي.

Advertisements
Posted in: لست أدري