لماذا تموت المدونات؟

Posted on ديسمبر 20, 2016

0


” جدار أبيض، لوحات فنية، جثة رجل مضرج بدمائه، وقاتل غاضب يشير بيده اليسرى إلى الله.”
طفلة، ترتدي حزاما ناسف، تتفجر بيد غريبة عن بعد، داخل مركز للشرطة.
شاحنة تسير على الإسفلت، يزيد سائقها من سرعته، تقتحم سوقا، وتدهس الناس من حولها.
خارج الصندوق، تماما. سنلف الورود بحزام ناسف ونوزعها على البشر، وتنفجر، ونفرح.
نزرع قنابل في أجساد العصافير. تنفجر في السماء عندما تحلق، وتمطر أحشاء ودماء.
سنوزع الألعاب المحشوة بصواعق نارية على الكبار والصغار قرب الجامع والكنيسة لا يهم، على المسجد أن يكون للروافض، والكنيسة لا يهم، أي طائفة تفي بالغرض. وتنفجر، لا يهم، بالصغار والكبار كلهم شهداء إن شاء الله. الله لا يظلم أحد، ومن يمت بريئا فجزاءه على الله.
مللنا التفكير داخل الصندوق. صحيح أن أسمائنا لم تعد تحفظ، كالملا عمر أو أبو مصعب أو شيخنا أسامة. أين ذهب الظواهري، لما لم يعد يرسل لنا برسائل مسجلة. أو انتظر لحظة هؤلاء كلهم لعبة غربية حقيرة هدفها تهديمنا.
يموت العالم في عالمنا، على أرضنا فقط. يموت العالم من الملل في عالمهم. في عالمنا يموت العالم من التشويق.
النملة تخاف من هجوم مباغت، من يد تقرصها من الأعلى، من مخلوق أكبر منها قرر أن ينتقم من حياة لا تكف عن قرصه بقتلها.
الذباب يطفو، يتجول على النفايات التي تقيأتها الأكياس من كثرة ما حشيت طعاما وأحاديث معلبة وكلام تضامن وحرية.
رائحة الهواء تثقل، والناس يعدون إشارات آخر الزمان. فاضت بلاد الشام بالدماء، وهذه إشارة جيدة لآخر الزمان.
لم يعد أحد يذكر النيزك، حتى الجرائد التي كانت تحتلها كلمات عن ارتطام الحجر الملتهب بالأرض في السنوات العشر القادمة توقفت عن الصدور، احترقت بلهب حجارة الأرض قبل أن يهبط سجيل السماء.
الرجل الأخضر صار مقياس براءة، يقيس الناس جرائمه بحجم الجرائم التي تجري اليوم، لا يقول البشر أن الرجل الأخضر مجرم، بل يقولون بالنسبة لما يجري اليوم فالرجل الأخضر صار ملاك.
رائحة الهواء تخف كلما ارتفعنا إلى الصفحة الزرقاء، ربما بطائرة، على متنها قنبلة مزروعة تحت كرسي حمام، وشاب يرمي بفضلاته على الساكنين الأرض ويشعر بعظمة ما يفعله مع أن الطائرة مجهزة بخزان. وامرأة تنتظر أن تصل إلى زوجها الذي سبقها إلى بلاد الشمال طالبا لم شمل للعائلة.
التفكير خارج الصندوق، كأن يزرع القاتل متفجرات كي ينبت الحياة. كأن يضحك الولد لرجل سينفجر كالبالون في السماء. كأن تأتي الرصاصة من الخلف، كأن تحترق في باصات جهزت للإنقاذ.
هل كنت تعلم أن العالم سيكون بهذا الجنون. الملائكة كانوا يعلمون. قالوا لك لا تصنعهم، هذه الكتل من الطين ستفسد، ستملأ الأرض بالدماء. كيف قالوا لك ذلك، هل كنت لا تعلم، بلى أنت العالم.
الملك ذو الجناحين، ما زال ينتظر، ينتظر أن يعلم ما تعلمه، عن هؤلاء البشر، يتهالكون ويهلكون. يملئون البر والبحر بالدم والفساد .
الدخان، من البراكين، أو من السماء. من قنبلة ذرية أو من الخيال. بانتظار الدخان، نهيم كالغرباء، لا نعرف من يموت ومن يحيا. لا نعرف لما يقتل المقتول ولا القاتل لما يقتل. لا نعرف لما تتحول الحياة إلى جحيم في طريقنا إلى الجنان. لا نعرف لما علينا أن نموت كي نحيا، لما لا نحيا في الحياة بدلا من أن نحيا في الممات.
استقيظ الرجل ليجد أنه تحول إلى جثة، جسد هائل له رائحة، لكنه يأكل ويشرب وإذا نام مات. جثث في كل مكان، في الأسواق وفي البيوت وعلى الطرقات.
تموت المدونات، كما يموت البشر. تموت القدرة على الكتابة، كما تموت المدونة. من يقرأ نص مدونا في ساعة هذيان، من يذكر جثة رميت في برميل ظل صاحب البيت يركله بعيدا ليدسه قرب عامود كهرباء عليه لمبة لا تضاء وقريب جدا من بيت الجيران. يموت التدوين، يموت البشر، تموت المدونات. والفتاة التي تنفك تحكي عن الكآبة لا تدري أن المصاب بالاكتئاب يصمت كما الجثث. والجثث في كل مكان، تنعقد كسلسلة تلتف حول أعناقنا، ستعود غريبا أنت ودينك يا محمد.

Advertisements