موت مفاجئ في الطائرة

Posted on نوفمبر 17, 2016

0


لم يلتفت لي أحد، بلى، لمحت تلاقي ابتسامتين عندما عبرت، لمحت وجها متفاجئا، لم يكن مصعوقا. لم أركب مركبا مطاطيا، ولم أخاطر، لم يكن معي أوراق حكومية تثبت لأي بلاد أنتمي، ولا حقائب، ولا أي شيء.

كنت وحدي تماما ولم ترعبني برودة المطار ولا استعجال الناس للتمركز في مكانهم في الطائرة. حتى المضيفة لم تنتبه إلى أنني لم أربط حزام الأمان. ولا فهمت صوت مساعد الطيار وهو يعلك كلامه عن ضرورة الالتزام بالتعليمات عندما تسقط الطائرة، من سيذكر أصلا تلك الحركات والحتف يرقص أمامه. كنت خفيفا ولم أخف. فكرت بكل أولئك الذين أرادوا العبور إلى تلك البلاد. الطريق إلى الجنة. فكرت بتلاطم الأمواج وهي ترفع القارب وتقذفه أمتار. فكرت بالأيادي الزرقاء، والشفاه الفاقدة للون وبغفوة طفل في دفء حضن مرتجف.

لم أستعجل. كنت مطمئنا إلى أن أحدا لن يحولني إلى مشروع لجوء، وهذا أبشع ما قد يصادفك على ظهر الكوكب، ليس اللجوء هو السيء لكن أن ينظر إليك الجميع على أنك هارب، الشفقة التي تطفو في العيون وادعاء معرفة خطواتك اللاحقة، لكن، لا، مهلا، أنا قادتني الصدفة إلى هنا، وقليل من الحظ، لا أريد بلادكم أيها الأغبياء.

لم أكن أرتدي زيا تنكريا ولم أدرب نفسي على تفادي العيون المستفهمة. قلت لكم كان الأمر حظا عظيما من الرب. أحاول أن أمرر الوقت. أعجز عن أخذ كبسولة نوم. أحاول أن أتلهى بالذهاب والإياب. أتفادى أن أزعج أحد. خفيفا لا أصدر قرقعة، أخاف أن ينتبه لي أحد فيهدم كل الآمال التي بنيتها منذ خروجي من أرض النار. تلك الرغبة الكامنة بالهروب. طيب، حسنا، منذ ولدت وأنا مشروع لاجئ. أصلا، لم يبق شيء هناك. تحولت البلاد إلى كومة من الخراب. ألقيت نظرة أخيرة على مسكني، نظرت إلى أمي وأبي وأغمضت عيني كي أحفظ في ذاكرتي تفاصيلهما الأخيرة.

عبرت الشوارع المصبوغة بالسواد. رائحة البارود التي عبقت بالأجواء فتكت بأنفي، قلت لا بأس، ستكون آخر مرة. عبرت فوق بركة دم أحدثتها جثة هائلة لرجل يرتدي معطفا رمادي اللون. زادت رغبتي بالتقيؤ. كيف حدث هذا. ما زالنا إلى اليوم لم نفك شيفرة الأحداث. حدقت بي عين زجاجية مرمية على زاوية الطريق، اقتربت أكثر، فوجدت انعكاس صورتي، وجهي الفاقد للون، حجمي الضئيل الذي تضائل أكثر.

لا أعرف لماذا يخاطر الناس بالهرب في البحر، الأمر أسهل مما توقعت، لم يوقفني أحد، لم يدقق بوجهي أحد، ولم أواجه مدا من النظرات المستنكرة التي تتهمني باحتلال المكان والهواء. كنت مرتاحا بتنفسي كميتي المسموحة من الأوكسجين دون أن أوضع في قفص محاسبة. حتى أنهم نسوا أن يفتشوا جسدي وتحت جلدي، لم يزعجهم أبدا مروري. ما زلت أذكر ذلك الحديث الذي سمعته من امرأة مكسورة النفس، كانت تخاطب طفلها الرضيع تحكي له عن اليد التي خرقتها وتمددت على جسدها عابثة به بحجة إخفائها لأمر ما. لو كان بإمكانه تقشير جلدها لفعل لكن رحمة هبطت عليه فأعطاها أمرا بالعبور إلى جنته.
لا داعي لشغل رأسي بكل تلك الأمور الأليمة. العالم مكان دافئ، البرودة تنبت من داخلنا، الآخر يحبنا، هو يقوم بعمله فقط، لا داعي للخوف، لنفتح قلبنا، لن نسرق أرض أحد، نريد النجاة، هذا الأمر فقط، العالم أكثر دفئا نحن الصقيع، العالم…. طاخ.
أوووف، كيف استطاعت هذه الحشرة الهائلة أن تدخل الطائرة.

Advertisements