لأنها تحدث

Posted on نوفمبر 2, 2015

1


مركب مطاطي آخر يغرق قبالة شاطئ، ما همي، طائرة تسقط من السماء، يقال أنها انشطرت بصاروخ أو قنبلة، لا فرق، مراسلة لمحطة تقف على الشاطئ، تستذكر جسدا لفظته الأمواج، تريد أن تبكي، تحاول أن ترققق صوتها، عل دموعها تنزل، تسأل من حولها، ربما ساعدوها على البكاء، ربما جعل قليلا من الماء المالح يفيض من المقلتين، لكن لا شيء، كانوا حتى أقسى منها، صحيح أن المرأة لم تطلي أظافرها قبل الشروع بالتحدث عن إيلان، صحيح أن الرجل انتابه شعور بالبلاهة وهو يتحدث عن ضحية لا تعنيه كانت قبل أشهر قليلة ممدة على الرمال، ماذا يقالان لها، ربما تذكرا ركلة المراسلة المجرية الشهيرة، ربما خطرت ببالهما أحاديث من زمن بعيد يرويها رجل طاعن بالسن يتذكر لما غزا الشيب رأسه. إنها الحرب، يا عزيزتي، تحدث. هذه حوادث، سميت هكذا، لأنها تحدث، إعلان أكسيوم في السعودية، هل هناك أعمق من هذا العنوان، حوادث لأنها تحدث. كأن يلفظ موج ولد، كأن تقع طفلة من السماء، كأن يحرق رضيع، كأن تضرب زوجه أب ابنته حتى الموت، كأن يقتل ألماني طفلين سوريين من اللاجئين، إنها الحرب يا عزيزتي، وهذه حوادث يا عزيزتي، حوادث لأنها تحدث.

كان الدكتور يقف في الجامعة ويقول الصورة.. الصورة.. الصورة. . ونحن نغرق في أهمية الصورة. يحدثنا عن الصور التي توقف الحروب. والصورة التي استطاعت تقليب الرأي العام. والصورة التي غيرت مجرى التاريخ. كنا نسمع ونصدق. فالصورة سلاح هكذا تعلمنا. اشربنا المادة. حتى صرنا نرددها كالببغاء. لا أعرف لماذا خطرت ببالي صورة الأجساد الطافية على سطح نهر دجلة، أجساد لبشر، وصورة الأطفال المختنقين بالكيمياوي وسراويلهم المبللة من الفزع، وصورة الفتاة التي تندب أمها، وصورة إيلان التي أشعلت فتيل اللجوء إلى أوروبا. لا أدري كم من الصور الأليمة سقطت من ذاكرتي. لا ادري إن كنا نخلط ما بين الواقع والخيال، فنظن الصور ضربا من ضروب اللاواقع. لم يعد للصورة من معنى. تمر أمامنا نحاول أن نندبها. نحاول أن نرثيها. نرمي بضع كلمات. نلعن العالم. نشتم أنفسنا. نضع هواتفنا جانبا. ثم ننام. لا شيء يوحي بأن الألم يتفاقم. بل هو يتخفف تدريجيا. يصبح أقل من أن نستشعر به. لم تنه أي من الصور حرب سوريا. وما أثارت صورة الطفل الرضيع المحروق حفيظة أحد ليخرج من منزله مشعثا شعره مناديا بالانتقام. لم تثر الصورة عندنا زلزالا. تحولت إلى هزة خفيفية، ربما رعشة تنتابنا لحظة لنقفز بعدها إلى صورة أخرى.

Advertisements