ما قبل البلوك الأخير

Posted on أكتوبر 28, 2015

2


لا أعرف ما الذي أثار غضبك، رأيي أم رأيك، هل هو صف الكلام الذي لن يغير شيء، كنت متأكدة أنني سأواجه بصفحة تقول أنّه غير متاح لي الاطلاع على كلامك، لم أكن أعرف أنها كذلك، ربما لم يسبق لي أن قاطعني أحد، كان عليك أن تتدرج في العقاب، كان عليك أن تنزعني من قائمة أصدقائك أولا، أن لا تتابعني مثلا، لكن حلّك كان جذريا أكثر وقاسيا أكثر. أحزنني الأمر، لم أعرف أنه سيلقى هذا الوقع في قلبي، لم يرفضني أحد قط، كنت دوما الفتاة المهذبة التي تكتفي بجمل لا تثير استياء أحد أو حتى إعجابهم، تعرف أن هذه ساحة للآراء، ما الهدف منها إذن إن أبقينا فيها من يعجبنا.

مشكلة هذا المكان أنه منحنا فائضا من الآراء. صار كل من لديه كلمة عالقة في زلعومه يلفظها لنا، تحولنا إلى وحوش تملك رأيا في كل شيء، “لا أعرف” لم تعد موجودة، “لا رأي لي” صارت جملة مهجورة. يمكننا أن نعطي رأينا بالثورة في بلاد الواق الواق أو في قصة شعر جيمس براون، لا اعرف هذا الأخير من يكون. أحسد أمي التي لم تخترقها بعد أزرار التكنولوجيا. لا ترضى بأن تحمل أي هاتف، لم تلوث نقاء نفسها بنتانة هذا العالم، أعتقد أن هذه هي الحرية بتمامها.

ذلك الشعور الذي انتابني منذ أكثر من عشر سنوات وما زلت أذكر طعمه. يوم  انطويت في العالم الأكبر شعرت به مجددا لكن هذه المرة مع لذعة من القرف. لماذا. لم أستطع بعد أن أفك الشيفرة. هذا التمترس خلف الرأي كأنه شيء منزل.  أود أن اعرف كيف يكتب الآخرون الشتائم، كيف يقيمون حفلات من السباب واللعن. كيف يضغطون على أحرف فتتحول إلى شتائم كتابية لها نفس الوقع اللفظي. لم أقل أي كلام ناب، أحافظ على صورتي ناصعة ومع هذا أغلق أحدهم صفحته في وجهي، أقفلها، حولني إلى منبوذة، تركني معلقة لا أعرف ما الذي قلته ليتم معاقبتي على هذا الشكل. ربما منذ أكثر من سنة أزالني أحدهم عن قائمته أيضا. قال لي “باي باي” لأنني قلت له أن الشيعة ليسوا يهودا. وضع صورا مركبة لناس يقول عنهم أنهم شيعة، احتملت صوره السابقة كثيرا، واحتملت آرائه الفجة حتى طفح الإناء، كان علي أن أكتب تعليقا وحصل ما حصل.

خفت قدرة الناس على تقبل الآراء. لم يكن الأمر كذلك. ربما لم يكن متاحا أمام الجميع أبداء رأيهم. لكن في الوقت الذي صار فيه الجميع قادرون على الكلام سقطت القدرة على تقبله.

ما قبل البلوك الأخير، صرنا جميعا آلهة، جلسنا على عروشنا الافتراضية، نرمي للناس فتات ما توصلنا إليه من ملاحظات على الجنس البشري. امتلكنا جميعا الحلول، جسينا نبض المشاكل واستشعرنا الخلل في موسيقى النبض. نطقنا من عليائنا، وكان على كلامنا أن يكون منزلا، غير قابل للدحض، قد يتسائل البعض في سر الآيات، قد يستفهم القرآن، لكن أبدا غير جائز لك البتة أن تطرح استفهام على كلام كاتب أو مثقف أو صحافي أو حتى بشر عادي. قبل البلوك الأخير كان يهبط على قلبي بين الحين والحين رذاذ أمل وإيمان بالمتفلسفين المكتئبين الطارحين دوما لأسئلة حول الوجود والاستمرار. لكن ما بعده أجزم أن أول ما علينا تحطيمه هو تماثيل الكلام والعيون الذابلة التي تحيك لك خيالات الآراء والحرية وما يستلزمه من هراء حول التقبل والتطارح.

Advertisements