لا أحد معنا

Posted on أكتوبر 26, 2015

0


الرجل ذو ربطة العنق السوداء، يتحدث عن غوغائية تسرح في الشوارع وتحول ساحات مليئة بالفراغ إلى قلب ينبض بالحياة، ليس معنا. المرأة التي صبغت وجهها هذا الصباح ولم تنس زيارة كوافيرها قبل أن تعطينا دروسا في كيفية التعاطي مع بلاد تسكب النفايات في عروقك وتطمرها في ثنايات روحك، ليست معنا. الصحافي الموضوعي يود لو لم نخلط بين رأينا الشخصي وبين ما يحصل في هذه البلاد، علينا أن نبقى على مسافة واحدة بين السلطة والشعب.. لكن من هو الشعب.. يقول لنا الأستاذ هذه مضيعة للوقت لا تحاولوا، كنا قبلكم هنا وتحولنا إلى وقود لحرب أهلية استمرت لألف عام. الفتاة التي تظن أن لبنان هو بيروت وأن بيروت هي شارع بمحال فاخرة ومقاه تستهوي الواحد منا للجلوس تقول حلوا عنا خربتولنا البلد. المثقف الذي اهترئ وهو يحدثنا في الثورة والعبق الثوري ويلومنا على تلكأنا في إشعال عود الكبريت، يصيح بنا ألم تقرؤوا في حياتكم عن الثورات هذه زعرنة. لا تؤمن بأحد، لا تؤمن بمن يتصور السيلفي. لا تؤمن بمن يحاضر عن الأحزان وبعد قليل ينشر لك صورته ويكاد ينفجر من الضحك. لا تؤمن بمن يستمر في العيش، بمن ينفث دخانه ويقول لك البلد ماشي. لا تؤمن بمن تضع أحمر شفاه وتخرج لتغير البلاد. لا تؤمن بمن يأكل، بمن يشرب، بمن يمشي، بمن يقرأ. كل هؤلاء يضحكون عليك. وحدهم الذين ماتوا هم الأحياء. وحدهم الذين قالوا لنا لسنا قادرين على الاستمرار وأخمدوا أنفاسهم هم الصادقين. كلنا كاذبون. كلنا يعني كلنا. هذا البلد لا يحتاج لمن يضحك. كل الأسئلة فيه لها أجوبة تستدعي الانتحار. لا أحد معنا، سائق الفان ليس معنا، ولا صاحب الدكان على زاوية الشارع المليء بالنفايات، ولا المرأة التي أخذت ولدها اليوم إلى الطبيب، ولا الصياد الذي اصطاد جرذونا بدلا من السمك من البحر. لا أحد معنا، لأننا جميعا قادرون على الاستمرار حتى مع هذا الوضع المتعفن. كل الذين معنا عبروا غباب البحر أو خرجوا بعيدا عن تراب ملوث. بعض الأوطان شتيمة وبعضها حكاية انتحار.

 

6

Advertisements