طيور الهوليداي إن

Posted on أبريل 1, 2014

0


سمّاها أهلها بالأحداث لم يعرفوها كما نعرفها الآن، ظنّوها مجرد حوادث ستنتهي قريبًا، ترتبط بخيطٍ زمني رفيع، يشتد ويرتخي وفقًا للمصالح. سماّها أهلها الأحداث، الفترة الزمنية التي عرفت لاحقًا بالحرب الأهلية اللبنانية، حيث كان القتل والخطف والذبح والرصاص والملجئ عنوانًا للبلاد، موتٌ برصاص قنّاص، حواجز طيّارة، ومسلّحٌ يستقوي على أهل البلاد برشاشٍ مربوطٍ إلى عنقه. أقرأ ليجثم البلد على صدري، كصخرةٍ كبيرةٍ تضغط أكثر، اللاعبون ذاتهم والحياة ذاتها والمواطن الأبله كدمية متحركة. أقرأ و أعي أن لا شيء تغير، حتى الصحراء تغيرت في هذا العالم وأصبحت بلادًا خضراء ولبنان ما زال على حاله. أحداث أمنية، اضطرابات، دولةٌ مشلولة، حفنة زعرانٍ تمسك بخيوط اللعبة وتحرك البلاد من دركٍ جهنمي إلى آخر. أقلب الصفحات سريعًا، خطفٌ، خطفٌ مضادٌ، قتلٌ، ذبح، تطهير لحماية الجنس الأنقى، أناشيد، أعلام، انهياراتٌ، هربٌ، جثثٌ، قنصٌ، أصل إلى مرحلةٍ أكفّ فيها عن القراءة، لن يحدث شيءٌ آخر، لا أتوقع أي انفراج، القصّة في تدهورٍ مستمر، لا ينجو منها إلّا من حمل حقيبته ومضى خارجًا من البلاد. أتململ، من ثلاثين عام والقصّة تتكرر، أجدادنا عاشوا في زمن الفوضى، وأنجبوا أهلنا واليوم نحن نكمل الطريق، كأنّ لا حل لهذا الاهتزاز الدائم. لوعة الأمهات مازالت ذاتها، الأبرياء الذين يسقطون ليكونوا مجرد وقودٍ تزيد النار اشتعالًا، وقادة المحاور القابضين على أيدي أتباعهم حتّى يكملوا الخراب ويكملوا الطريق نحو الهدف الأسمى الذي بدونه لن يهنأ لهم من عيش، هدف السيطرة لا أكثر. ما الفرق بين المناطق والمحاور، من يمحي خطوط التماس التي حفرت في قلوبنا، من ينسينا القتل على الهويات وهو الآن يتكرر مع اختلاف في القاتل والمقتول لا غير، الموت الذي يكون من نصيبك فقط إن تجاوزت حدود مناطقك. من يقنعنا بالأمل، مادام محارب الأمس هو حاكم اليوم، من يقول لنا أن الأمور ستكون بخير إذا كان من حزّ الرأس بالأمس يتحدث عن الوطن ووجوده. كلّ ما يجري في البلاد كذبة كبيرة بحجم الوطن الذي يرسمه خيالنا النشط الباحث عن فرصة حياةٍ أفضل، لا أمل، لا أمل إلّا لمن هربوا وحملوا ذكرياتهم معهم وقرروا عدم الرجوع، لا أمل، لم يتوقف القتل ولا قطع الطرقات ولا المحاصصة ولا المناطقية. لم يتوقف الكره، بل صار متجذرًا في النفوس، يزرع في عقولٍ هائلة وينمو ويتمدد دون أن يقف في وجهه أحد. منذ زمنٍ والمسلّح يعامل بوصفه عذابًا هابطًا على أهل البلاد، يُكتب عنه كأنه حالةٌ منشقّة، لا اتصال بينها وبين واقع الناس، يلوم الجميع حامل السلاح ويتبرأون منه لكنهم ينسون أنه جارهم في الحي، أو صديقهم في المدرسة، أو حتى سليل من لحمهم ودمائهم. القاتل منا، من أهلنا، ليس حالة هجينة، ينشأ كنتيجةٍ تراكمية تفرزهاالمعتقدات الراسخة عن الغريب العدو الذي يرغب بمحونا عن ظهر البلاد. “طيور الهوليداي إن” رواية موجعة عن الموت العبثي الذي ما زال يحصد اللبنانيين، رواية عن الحلقة المفرغة التي يدور فيها اللبنانيون منذ أكثر من جيل، حلقة مفرغة من القتل والدمار، لا يظهر أنّ لهاأي مخرجٍ قريبا.

Advertisements