جثث

Posted on مارس 27, 2014

0


أعد الجثث، أثقل نهاري بمحاولة إحصاء الأجساد الهامدة غصبًا عنها، تتكاثر أعدادها يومًا بعد آخر، يعثر على جسدٍ مرمي في حاوية نفايات، وآخر على قارعة طريق، وثالث لا يسعى للاختباء، تجره الأيدي القاتلة خلفها كنصرٍ إلهي حققته على العدو الشيطاني. أخبار الجثث أصبحت تصيبنا بالملل، كثرتها خلقت لدينا شعورًا بالسكينة في بلاد الجحيم. التاريخ لا يعيد نفسه هناك، لا مأساة ولا حتى أي حس من الفكاهة، التاريخ ما يزال متمثلًا برموزه التي رسمت خطوط تماس، ما زال هناك قابعًا عند أقدام قادة المحاور، يشرب كوبًا من الشاي في لحظات الهدوء النسبية، التاريخ مازال عندهم يلعن الزمن الذي توقف يوم خرجت الفتاة من بيتها ولم تعد، ويوم أطلقوا النار على الهويات وخبّأوا حاملها في مقابر جماعية بنيت فوقها المدينة، التاريخ توقف عند الشرقية والغربية، والشمال والجنوب، والعدو الضبابي غير المعروف.
أرجع إلى عد الجثث، ازداد عددها بشكل ملحوظ، المارد الكبير بات يقتات عليها، يلوكها دون أن يجرأ أحدهم على فتح فمه للسؤال عن سبب الموت، يلوكها دون أن يشعر بالذنب، لا عقاب سيطاله ولا وجهٌ سيرتفع ليسأله من تكون، هو نفسه لا يعرف من يكون، أحيوه في لحظة نكد، تراكم كراهية، غذّوه بالسلاح، وبوعود ما بعد الحرب، يوم نضع أيدينا على الأرض، ويومًا بعد يومٍ يكبر، يخرج أنيابه دون خوفٍ من أحد، برصاصة قناصٍ بجسد، هامد سحل على الأرض ليربّي غيره من الأجساد بالخوف يكبر المارد، ويتعايش معه الناس، لا يجرؤون على المس به خوفًا من أن يحين دورهم، يفتحون له المنابر ليمضغ الجثث على الهواء مباشرة، وترتسم على وجوههم الابتسامة البلهاء ذاتها، تلك الابتسامة القديمة من عمر الثلاثين عام، الابتسامة التي حوّلت أطفالهم إلى زعران زواريب، وأوهمتهم أن العنف هو الحل لكل ما يدور في البلاد، رصاصة القناص وهمج المسلحين الآتين من ذكريات كان يجب أن تُدرّس في الجامعات والمدارس، ويحفظها الناس عن ظهر قلب، تلك الذكريات التي غابت مع أجساد المخطوفين ودفنت تحت تراب المقابر التي لا يودّ أحدٌ أن يرفع عنها الغطاء.
جثة لرجل، جثة لطفل وامرأة، جثة لامرأة حامل قتلت برصاصة، جثث متكومة فوق بعضها، واضحة المعالم أم محروقة، أجسادٌ كثيرة تتراكم تتحول إلى مقياسٍ وطني يدق نواقيس الخطر دون أن يفلح في استثارة رغبة التحرك فينا، جثثٌ كانت كمرضٍ معدي، حولتنا إلى أجسادٍ صفراء هامدة تنتظر محطتها الأخيرة، وتسير دون عناءٍ يذكر وبانسجام تامٍ مع ما يمر أمامها من أهوال وقتل وعنفٍ. بالخوف والموت تسير إلى مدفنها الذي لم تخرج منه أصلًا طوال وجودها على قيد الحياة في ربوع المقبرة الكبيرة التي تسمّى مجازًا الوطن.

Advertisements