نرقد بسلام

Posted on مارس 17, 2014

0


” اشطبي لبنان” ، يقول أبي، أسمع ترداد الكلمات المنبعثة من سماعة الهاتف وينكسر شيءٌ في قلبي، حتّى العطلات التي قلّصتها لتصبح قصيرةً قدر الإمكان ربّما سيأتي وقتٌ يطلبون مني فيها أن أشطبها، اذهبي، لا تعودي، اتركي البلد بحاله واقتنصي فرصة الخلاص، ربّما ستكونين الناجية الوحيدة. تغبطني أختي على الصحراء، وأنا أفكّر بحياتها الخالية من الحقائب. أوٌد أن أعود، أن يقول لي أحدهم لا شيء سيحدث، البلد لن يسقط، من سنين وهو في حالة الترنح هذه، ومن فيه سكارى لا أكثر. لكن لا أحد يقول لك شيئًا، التنهيدة الغريبة المليئة بعبق الانتظار، انتظار الدور لا الخلاص، لا تعودي، ابقي حيث أنت، لا تعبثي بشيء، الوضع لا يحتمل هنا، تمسكي بالخلاص.
مع كل انفجار تتقلص فرص العودة، يصبح الحديث حتى عن مجرد زيارة فكرةٌ بلهاء، يسقط الموت في حضنك، يصبح أقرب، ومحاولة تفاديه ضرب من العبث، يؤمن الجميع بالقدر، لا شيء يمكن أن يوقف الموت فلنتأقلم معه إذًا، تخف وطئة الحزن والصدمة، يصبح الخبر عاديًا لا يمسّك إن لم يأخذ الانفجار أحدًا من أهلك أو معارفك.
تحمل هم الناس الذين يعيشون في بلادك، تتمنى لو تخبأهم في حقيبتك وتمضي بهم إلى بلادٍ جامدة لا صفيح نارٍ تحتها ولا مخططات مرسومة لها. بلادٌ لا يرغب بها أحد. تعيشون معًا بسلام، تقضون الأعوام القليلة التي لن تتجاوز المئة بعيدًا عن كل هذا الجحيم.
لا تستحي القاعدة أن تعلن عن استهدافها لمدرسة أو ناس أبرياء، لا تستحي أن تقتل طفلًا أو تحرق ما تبقّى لنا من حياة. والانتحاريون في لبنان ليسوا من بلاد القوقاز مثلًا، ويعرفون العربية أكثرمن غيرها من اللغات، وما يؤلمك أنّهم ليسوا من بلادٍ أخرى يعرفون ما معنى أن تبحث عن لقمة عيش من انشقاق الفجر في السماء. هؤلاء ليسوا غرباء عنا، يعيشون معنا، ورغم هذا ما زالوا مصيرين على التحوّل إلى قنبلةٍ موقوتة.
خطة القاعدة مخيفة، تمتد على عشرين عام، جعلتني أرغب بدفن نفسي تحت التراب، هؤلاء الذين يحوّلون أنفسهم إلى شخصياتٍ خارجةٍ من كتب التأريخ، يحملون رايات سوداء، وفي عقولهم حلمٌ وحيد يتحقق بالقتل. ماذا يريدون، تدمير ما تبقّى من حياة. أرغب في أن أعرف كيف يفكّر هؤلاء، ما نراه ليس حالةً عشوائية ولا قتلًا دون معنى بل يدخل في سياق ممنهج سيوصلهم إلى الحكم بالدوس على رقاب العباد. القاعدة التي ستلف العالم بفكرها السوداوي علّها تعيد البشرية إلى عصرها الحجري، وتخرج الإنسان الأول القابع في نفوسنا، الإنسان الذي لا يقوى على استخدام عقله، ينساق بغريزته المتوحشة للقضاء على كل ما لا يمت له بصلة. الإنسان المتجرد من أي إحساس، الشبيه بالأنعام، يشرب الدم كما يشرب الماء.

Advertisements