لم يعد بإمكاننا الاستمرار

Posted on مارس 17, 2014

0


فجأة لم يعد يغرينا السؤال عن أحوال بعضنا. انتابنا اليأس، آو أننا تأكدنا من أن شيئًا لن ينفع معنا بعد الآن. كانت تراسلني عبر رسالةٍ قصيرة كلّما وقع انفجارٌ في مناطقنا، تطمأن إن كنت أعرف أحدًا من الضحايا، بما أنّهم من جماعتي، تأسف لحدوث ما حدث، ثمّ تبدأ بنشر شكوكها عن الجاني الوحيد برأيها. و أنا كنت أشاطرها الرأي، القاتل الذي يعرفه الجميع، ولا يحتاج لإصبع يُشار إليه به، المجرم الذي يستسهل القتل لتحقيق ما يريد من مصالح، محمي هو وعائلته في برجٍ عاجي، ونحن الشعب الملعون المنتشر على البلد بطوله يبحث عن بصيص من أمل، في نفق دامس الظلمة. وأنا أيضًا كنت أسارع إلى الاطمئنان عن أهلها حالما تقرر سيارةٌ متفجرةٌ العبث بأرواح الناس في مناطقهم.
كلٌّ منّا يعرف القاتل، ولا يحتاج إلى انتظار أية تحقيقات ولا حتى إلى قرارات محكمةٍ دولية. نحن متأكدون ممن يكون القاتل، اتقانه للدور المناسب لأداء الجريمة، كل الأمور التي حشيت في رأسنا على مر الأعوام، نعرف أنه دون رحمة، ويتبع أجندة خارجية، ولا تفرق معه إن مات طفل أو شيخ في حوادثه المدبّرة، ولا ينتابه الهلع وهو يضغط زر التفجير، ولا يصاب بتشنجٍ عضلي من شدٌة ما أرهق أعصابه، هو مرتاح على وضعه، يفجر ويمشي ويعرف أن الخيوط التي تركها خلفه لن تودي بالحائكين إلى مكان.
في التفجير الأخير لم أسأل. كنت أعرف أن الكلمات المرسومة في عقلها تتهمني أنا مباشرة على ارتكاب الفعل، لا جدال في الأمر، أنتم تضعون المتفجرات لأنفسكم، وتضعونها أيضًا لغيركم، كي لا تثار الشكوك حولكم. حلّ الأمر، نحن نقتل أنفسنا ونقتل غيرنا حتى نتساوى في الموت، ولأننا نود السيطرة على البلد وتركيع الأمة السنية، هذا ما قالته بالحرف الواحد في آخر لقاء تعليقًا على الوضع السياسي الذي ما إن نتحدث به حتى تنتابنا الشكوك عن سبب استمرارنا بعلاقةٍ تمتد جذورها إلى ألف سنةٍ من العداء.
الهوة تتسع، والجسر الذي كان يربط بيننا هرم وبدأ بالتداعي، تلك الظنون المتبادلة، والاتهامات الأكيدة بين الطرفين تتحول إلى حقيقة دامغة، يصبح معها كل شخص متهمًا لا يُنتظر أن تثبت إدانته، يكفي أن يكون مؤيدًا أو مشجعًا أو يحمل نفس ملامح الوجه حتى ينتهي الأمر ويعلن العداء.
موتاهم وموتانا، انفجراتهم وانفجراتنا، حياتهم وحياتنا، ثقل الأمر على مر الزمن حتى نكاد نفلت الكرة الضخمة من أيدينا. أرى في العيون ذلك اللئم الصريح، لا تبكي على ذلك الشاب العشريني الذي ساقه قدره الحزين إلى موتٍ أحمر، نحن مات لدينا الكثير أيضًا، شبابّ أصغر بل ربما أطفال ذهبوا إلى طبيب الأسنان فماتوا جميعًا دون استثناء، لكننا لا نحب الضجّة حول موتانا نتركهم نائمين، لا نزعجهم بشموعٍ واحتفالات تأبين. لكن، ماذا أفعل، لم أستطع أن أتوقف عن البكاء، ذلك الشاب المنطرح على الأرض، كان فيه قليل من حياة، ذلك الشاب الذي عبرت في ذهنه فكرة الهرب يوما من هذه المدينة الكئيبة لم يخطر بباله أن يموت بانفجار، حالمًا ضاحكًا كان يقضي ما تبقى له من أيام، وصباح ذاك اليوم ربما خرج من منزله دون أن ينظر إلى أمه، دون أن يرمي بكلمةٍ تصبح الذكرى الأخيرة، خرج متأكدًا أنّه سيعود، لكنه لم يعد… أعرف أن الأمر أصبح كليشيهًا غريبًا في البلاد، لكنني لم أوفر دمعة على الشاب الصغير.
لا تشتروا من هنا، صاحبه شيعي، لا تأكلوا من هذا المكان، يملكه سني. كأن السني والشيعي ديانتان مختلفتان، جاءا من مبشرين متناقضين، كأن لكل واحد منهما رب يهديه إلى خيره وينزع البركة عن أعدائه، هذا البغض الذي يزرع يوميا في العقول، ويكبر حجمه كرهًا في القلوب، البغض الذي ينزع الرحمة عن المآسي، ويحوّل القتلى من الطرفين إلى أكوام من البلاستيك، الكره الذي يجعل من الانتقام ورد الصاع عنوانًا دمويًا للمرحلة المقبلة. يتحول البلد إلى مقبرة كبيرة، الأحياء فيها يسكنون المحل الخطأ، لا نلحق أن نحصي عدد الذاهبين إلى المقلب الآخر، في كل يوم اسم جديد وحادثة أخرى، في كل صباح نتنفس رائحة الدم الطازج، يصبح عطرنا اليومي الذي يسكر من عبيره الحاضرون. الموت يأكلنا، لا يمل من لوك أجسادنا الطرية، يتلذذ برؤيتنا هامدين دون حراك. لن يبقى أحد، تعويذةٌ مرميةٌ على الساكنين في تلك الأرض.
ربّما لم يعد علينا أن نلحق أخبار الموتى والجرحى والفاقدين أرواحهم ببضع رصاصات، ربما لم يعد علينا إن نعرف شيئًا عن مكان الانفجار، والسيارة المفخخة التي تنتظر طرائدها بحذرٍ خوفًا من انفضاح أمرها، ليس علينا أن نعرف عن الملثم الذي قبض حفنةً من المال ليعيث في الأرض اغتيالات، وسنتجاهل الانتحاري الذي ما عاد يغرينا بالحديث عن الجنة.
أود أن أعرف من بقي على قيد الحياة، من ترفرف في جوفه روحٌ ساخنةٌ لم يدلّها أحدٌ على مخرجها، اشتاق لسماع خبرٍ عن الذين استطاعو تجاوز نهاراتهم دون أن يصطدموا بعيارات نارية أو انفجارٍ أو خطفٍ أو قطع رأس. كيف ستكون الحياة لو اختفى القاتل وتغير المخطط وقرر السلاح رفضه الإذعان لرغبة البشر الأولى بالانتقام.
الحقد الدفين المتعفن في نفوسنا ينفع مع كل مناسبة موت، نتشفّى بكل ضحية، نرى في موتها انتصار، الوحش الرابض في قلوب البعض يميّز بين الموتى. يضع القضايا جنبًا إلى جنب، ويرتّبها بطريقته البلهاء في رؤية الأمور.
متى تمل اليد السوداء متى نقتنع أنّ الدم لدينا ليس دلو ماء،

Advertisements