كيف تصنع انتحاريًا

Posted on مارس 17, 2014

0


أريد أن أجيب عن هذا السؤال، كيف تجعل من شابٍ في أول خطوات حياته، قنبلةً متفجرة. يقدم على الأمر وهو واثق من خطوات فعلته، لا تنتابه ذرة تردد، لا توقفه صورة سريعة يلتقطها مجموعة من الشباب الجالسين، ولا ابتسامة طفل، ولا باص مدرسة، ولا أيًا من هذا الهراء الذي يقال له إنسانية.
يتحول عن سابق إصرار إلى سلاح جامد لا عاطفة فيه ولا روح.
يولد المخلوق البشري عندنا، وقبل أن تطأ قدماه الأرض يعرف تفصيل الآخرين، يعرف أن أمه وأباه وأخوته وعائلته من نوعٍ واحد، نقاءٌ دموي يجب أن يحافظ عليه ولو بقطع الرأس، لا يجوز تلويثه حتى في الأحلام، قبل أن يعرف فك الحرف يعرف من أي المحلات عليه أن يشتري وأي المحال عليه أن يقاطع، يعرف حدوده تمامًا، ولا يجرؤ على التفكير بتعديها، وإن فكر سيموت بغصّة قلبية يورثها إلى أحفاده. عندما يبدأ بالكلام، يكون قد قطع مراحل طويلة في كيفية الابتعاد عن الآخرين الأعداء، الآتين من كوكب آخر، أولئك الساكنين في المناطق المجاورة تفصل بينهم خطوط نار وموت. يكبر ويكبر الوحش في عقله، أبوه يحدثه عن مناطقهم، كيف يأكلون اللحوم البشرية وكيف يسلبون القوى العقلية، أمه تولول إن هو قرر مرافقة من هم من خارج ملته، يصبح صديقه الغريب نقطة سوداء في سجله، قبل أن تسأل عن اسمه تسأله أين يسكن لتتأكد من حدودك. تحافظ على شاشتك وجرائدك لا تفكر برؤية الرأي الآخر وخزعبلات من يريد أن يتحكم بالمزرعة التي تعيش فيها، الجيش ملحد إن لم يسايرك بخطواتك، قوى الأمن كافرة إن لم تيسر لك عبور أسلحتك، تحشي برأسك كل اللعب والمخططات، تود أن تبقى على حيطة وحذر، تحشي برأسك أي فكرة تؤكد قناعاتك اللئيمة، لا يمكن أن نعيش على كوكب واحد، لا تسعنا هذه المجرة تقول في نفسك، بالمد والهجوم والسيطرة، تحشو وتحشو إلى أن تبلغ نقطة الذرة، تتسائل عن نفع أن تبقى على قيد الحياة ومائدة في السماء تنتظرك، يصبح كل من حولك أهداف مشروعة تشرع أبواب ما تملك الحق بالتفكير به دون أن يسألك أحد عن صوابيته، يعود إليك كلام الشيخ في الجامع، وهو يسب ويلعن بكل من يخالف رأيه الذي يعتقد بأنه يملك نفحة سماوية تنزهه عن أن يكون هنالك رأي يخالفه، يجعجع الصوت في أذنك، تتذكر أن القتل مشروع للكفار، لمن قرروا إيذائك بالصميم دون أن يعرفوا، يرتفع الضجيج في رأسك، تتذكر أمك وهي تشتم جاركم ، وتتذكر صاحب الدكان الذي تكرهه، وحادثًا كان مخبئًا في لا وعيك منذ سنين، تتذكر كلام المذيع وهو يكشف اللثام عن القاتل، وكلام النائب وهو يحكي عن السلاح البغيض، تتذكر رائحة البارود في تدريباتكم الأخيرة وكيف تعاهدتم أن تلتقوا بالجنة في السماء إن عجزتم عن اللقيا على وجه البسيطة، تتذكر الوعد والجنة والصراخ، الجنة.. الجنة.. وتنفجر.
نعتذر لم نكن علينا أن نحزّ رأسه، نعتذر منكم لم يكن من المفروض أن يموتوا في التفجير، أخطأنا هذه المرة لم نكن نقصد عرسًا، عفوًا كان الطفل في الطريق وانفجرنا غصبًا عنا دون أن نقدر أن نزيحه إلى مأمن. هذا الرأس الذي أحمله عليه أن يفكر بالحرب وكيف عليه أن يختبأ من صواريخ زكية، عليه أن يعرف كيف يلتقط القنابل الجسدية قبل أن تنفجر فيه، هذا الرأس عليه أن يبتعد عن السيارات الملغومة، والعيون الحاقدة، والقلوب القاسية، هذا الرأس لا يكفيه المرض ولا أخبار الكون القاتمة، لا يكفيه الموت بحادثة أليمة عليه أن يفكر بكل هذا قبل أن يضع رأسه على وسادة الوطن الخشنة. الموت يلاحقنا، لا يكفينا ما نعيش فيه، حتى يأتي أحدهم ليفجر نفسه بنا، لا يكفينا المرض، ولا الحوادث ولا الأحزان ولا الأوجاع، علينا أن نفكر بالحرب والانتحاري والسيارات المفخخة.
الانتحاري الذي لا يبدو أنه يقوم بتفجير جسده عن يأس، مازالوا في سن الشباب، حشيت عقولهم بالترهات، وعدوا بغذاء إن هم حرقوا الأجساد الطرية، ليسوا يائسين أبدًا، في مهمة سماوية يضعون أنفسهم، مهمة ستخلدهم في جنة رسموها بعقولهم، لهم وحدهم ولا تسع أحدًا غيرهم.

Advertisements