سأراك في الجنة

Posted on مارس 17, 2014

0


مازلت أسمع صوته يتردد في أذناي، قبل عشر سنوات من الآن. ” لا أريد أن أموت”، ذلك الصوت المرتعش الباحث عن رأفةٍ في القلوب الميتة. صداه يتردد إلى اليوم دون أن تنتهي تلك اليد بعد من حزّ الرؤوس والأرواح حتى غدت حيواتنا كلّها دون أي طعم.
أذكره جيدًا، المشهد المتكرر بكثرةٍ في السنوات الأخيرة، جثّةٌ منكمشةٌ تنتفض من الخوف ولا يحيد نظرها عن السكين المسنون، ويدٌ قاسيةٌ لجثةٍ هائلةٍ تبحث عن انتصاراتها في قتل الآخرين. الرجل يطلق صوته الضعيف أمام الكاميرا، يصرخ بصوت مجروح، لا أريد أن أموت، لا أريد أن أذبح، والكاميرا تتابع التصوير، لن تسدل ستاراها قبل أن ترينا الرأس مفصولًا عن صاحبه. قبل عشر سنوات رأينا الموت فجًا قاسيًا طاغيًا على وقع أسماء الله الحسنى، وهذا هو المحزن.
كان علينا أن لا نتعاطف مع الرأس المفصول، فبالنهاية نحن المسلمون وهو الكافر، يحل موته وفق اجتهاداتنا الخاصة بانتقاء آيات دون غيرها من كلام الله لنا.
كانت هي الحادثة الأولى التي رأيتها لهذا النوع من الموت، القاتل والقتيل، وحق القاتل الإلهي بالقتل، ظل ذلك المشهد وتلك الكلمات البسيطة التي قالها الرجل ،والتي تعبّر عن الحقّ الطبيعي لأيّ إنسانٍ، في رأسي. وصرت ازداد خوفًا من القاتل، ذلك الذي سيقطع رأسك من دون أن يرف له جفن، ولن يبكيك أي أحد، سيقولون أنك كافر، وينتهي الأمر بك عند هذا الحد. ثمّ ازداد الأمر سوءًا صرت أنتظر القاتل، أفكر أين سأختبأ، ربما تحت السرير أو في مغارة، أين سأخبّأ أهلي وأمي، كيف لي أن أهرب من الذبح، كبرت هواجسي حتى فكرت أن أكتب رسالة إلى أبو مصعب، الزرقاوي، تذكرونه، ذيلتها باسم ابنه مصعب، لا أدري إن كان مصعب موجود أم أنه ما يزال في العدم، قلت سيستمع الرجل إلى ابنه، أردت منه فقط أن يكف عن القتل، أن ينتهي من توزيع الموت، كان ذلك قبل سنواتٍ عديدة، ربما لم تصل الرسالة، أو أنّ أبو مصعب ذاك كان متحجر القلب أكثر مما توقعت.
مات أبو مصعب، دون أن ينسى أن يبذّر مئات الآباء الآخرين، موّزعي الموت على الناس كما الحلوى، اجتاح القتل البلاد، وسالت الدماء بالمعنى الحرفي إلى الركب، كثر الموت لدرجة أنّ فكرته لم تعد تؤرّقني، اليوم رأيت صورةً لجثثٍ مكوّمةٍ فوق بعضها ولم أهتز، لم أحزن، ولم ينتابني أي شعورٍ بالغصّة، كأنّني لا أرى بشرًا أمامي، أو كأنهم كائنات أخرى.
هكذا توصلت بعد سنوات عديدة من الحزن والأسى على جموع الموتى إلى حل، ربما هذا الكوكب ليس لنا، لسنا كائناته الأساسية، ربما هو كوكب للنمل مثلًا لن يضيره شيءٌ لو رحل مجموعٌ من البشر.
أتكلم عن الموت حتّى لا تلاحقني الجثث المرميّة في الهوّة السحيقة، أنفكّ من لعنة الذنب بالكلام، أذكر الموتى لأتأكد أنّني مازلت على قيد الحياة.
أتكلّم عن الموت الجامع، الذي لا يفرق بين أحد، لا يعرف الفلسطيني من اللبناني والسوري، ولا يهمّه إن كنت مسلمًا أو مسيحيًا أو حتى يهودي، لا أحد يتمتع أمامه بامتيازات، إلّا الأحياء يملكون تلك القدرة العجيبة على التمييز، يجمعون الجثث ويرتبونها وفقًا لصيغةٍ معينة.
الموتى في عيون الأحياء ليسوا أجساد صامتة، ولا قلوب باردة، حتّى تلك الوجوه الذابلة تنمو في العيون المتحركة، تكبر وتصغر، تثير فيك الرغبة بالانتقام أو اللواذ بالصمت، أو ربّما شعورٌ يوميٌ باللامبالاة، ودعوة سريعة لنيزك يرتطم بالأرض ويأخذ البشرية إلى مصيرٍ جامع بالهلاك.
الموتى في عيون الأحياء قد يكونوا مجرمين يُستطاب رحيلهم.
أرغب في أن أحزن على جميع الموتى، أن أبكي أي أحدٍ رحل عن الأرض بإرادة بشري مثله، أود أن أبكي على جوعى مخيم ولو كانوا لا يتجاوزون المئات، أوّد أن أحزن على القرى المحاصرة منذ بداية الأحداث، لا دواء يدخل إليها ويهرّب الخبز من تحت التراب، أوّد أن أبكي على الأطفال، المولودين في الزمن السيء، من يحسبون أنّ الخيمة مكانهم الطبيعي للعيش، أوّد أن أصرخ لا وجود لقتلانا وقتلاهم، الموت واحد فقط… يجمعنا.

Advertisements