المغدورة

Posted on مارس 17, 2014

0


هذه الجرائم ارتكبت في الأيام القليلة الماضية في كل من لبنان وفلسطين، زوج يقتل زوجة، وعمٌ يقتل طفلة.
ربمّا هي البلاد تحتضر، أو هو المجتمع يحتضر، أو هو الإنسان الذي يحتضر، ليس أمرًا عاديًا أن يحدث كلّ هذا، ليس أمرًا عاديًا أن تموت الزوجة على يد زوجها ليخرج في اليوم الثاني دون عقاب، ليس أمرًا عاديا أن يكون القتل هو الحل لكل مشاكلنا، وفي وضح النهار دون أن يحرك الأمر ساكنًا في نفوسنا، دون أن يهتزّ شيءٌ في دواخلنا، كأنّ الأمر غدى طبيعيًا في البلاد أن ينتقم الواحد لكل ما يزعجه بإخفات الأرواح، لم يبقَ غير الإنسان في بلادنا، لم يبقَ غير إنسانيتنا لندافع عنها، حقّنا الطبيعي أن نعيش دون تهديد، حقنا الطبيعي بالوقوف بوجه البطش العشوائي المتمدد في المكان.
“بيي قتل إمي” انتظر وقت خروجنا من المنزل، أغلق الباب ورائنا وأقفله بإحكام، لم نلحظ شيئًا غريبًا، ثقل أفكاره لم تبدو عليه، كان وجهه هادئًا خلاف المعتاد، في قرارة نفسه كان يحوم القرار الأخير، سأرتاح منها. كيف يصل المرء إلى هذا المرحلة، لا أدري، ربما هو ضغط الحياة، وضغط الكلام، وضغط الأخبار، ربما الانتحاري الذي يفجر نفسه دون سبب هو ذاته الذي دفع أبي إلى قتل أمي بألف سبب، لا لا أبرر له، سمعنا مرارًا من من أفواههما دعوات للسماء كي تأخذ الطرف المقابل، سمعنا دومًا تلك الألفاظ لكن أبدًا لم يخطر ببالنا أنّ الأمر سيكون بفظاعة جريمة، كل السنوات التي مرّت تهدم بالجريمة، الصوت العالي الذي أخبرنا عنه الجيران لم يحرك في نفوس أي منهم رغبةً برفع سماعة الهاتف، زلمة ومرا، لن نتدخل، البيوت أسرار، الضرب والهرب، والارتطام بالأرض وهيجان الشيطان الكامن في النفس الذكورية، لم ينفع، خلص، تحبس الأنفاس بانتظار عودة الهدوء، لم يتصل أحدٌ من الجيران بأهل أمي، لم يتصل أحد غير أبي، هو أخبرهم، دعاهم إلى مشاهدة المسرحية التي سيقوم بتمثيلها دون كومبارس، هو وأمي فقط، على خشبة المطبخ، سيلعبان بالطناجر والسكاكين، سيكون أقوى منها على حلبة المسرح، لن يؤخر النهاية أبدًا، وبيده سيسدل الستارة على جسدٍ ينتفض لخروج الروح منه.
ليس مهمًا ما سيقوله الجميع، ليس مهمًا تلك الشكوك التي تتسلل إلى أعماق نفسياتنا المريضة لتجيب عن أسئلتنا التي يخلفها المشهد الدامي، لماذا قتلها، لماذا لم يطلّقها مثلًا ويتركها في حالها، سيظل مقتل أمي يلاحقني، أتخيلها في كل زوايا المنزل، أتخيلها وهي تمسك بطنجرة من طناجرها تستعد لتحضير الطعام دون أن تعلم أنّ أنفاسها الأخيرة ستسحب بها. طعم المرارة المتكوم في فمي يمنعني عن التفكير، كيف سأستمر بالحياة، أنا الفتاة التي قتل أباها أمها عن سابق إصرار وتصميم، ضربها حتى الموت، حتى اختفت أنفاسها وتوقفت عن إزعاجه، كيف سأشفى من منظر الأم القتيلة والأب ذو العيون الحمراء يتطاير منهما شرر الغضب،
“عمي قتل أختي” خنقها ورماها واقفةً في حفرةٍ عامودية، لم يدفنها نائمة، ربّما عرف أنها لن تنام، ستطارده إلى آخر لحظة من لحظات حياته، كما في أفلام الرعب، عيناها المفتوحتان المتسعتان اتساع الفراغ الأبدي، بشرتها الزرقاء الباهتة، شفتاها الجامدتان، وجدوها في تلك الحفرة بعد أيامٍ من البحث عنها، كان عمي يفتش فيها معنا بأسى وحزن، يصرخ باسمها وهو يعرف أنها لن تجيب، يفتش فوق الأرض وهو من رماها تحتها، يسأل عنها رفاقها، يحاول أن يهدأ أخاه بنفسه المضطربة. مثّل عمّي جريمته، روى كيف أخذ الطفلة من مدرستها، وكيف وضع يده على رقبتها وكيف خنقها وكيف تحول لونها وكيف دفنها وكيف استعجل إهالة التراب عليها لدرجة نسي فيها أن يغلق جفنيها ليريح روحها من تسجيل ما مرّ أمامها. ارتاح من ابتزازها المخفي ربما بالصمت، ارتاح من نظراتها الواشية، ارتاح من الدقائق المرعبة التي كان يعيشها كلّما همّت بالكلام، كانت شاهدةً على سقطاته، انتهى منها الآن، هذا كل ما خطر بباله عندما رأى التراب المكوّم فوق الجثّة.
إلى أين سنصل…

Advertisements