لا تصدّق

Posted on يونيو 22, 2013

0


كيف لشعبٍ عاش حربًا أهلية أن يفكّر بامتشاق السلاح من جديد، كيف لشعبٍ عرف مرارة الخطف والمقابر الجماعية والقتل على الهوية أن يلوذ بالصمت ويختبأ خلف إصبعه كأنّ لا شيء يحدث.
لا تصدّق كلّ من يعطيك سلاحًا بيمينك ويقول أنّه يدافع عن وجودك، لا تصدّق من يسخر من وجود غيرك، من يريد اعتبار كلّ من يعيش في الوطن إمّا نجاسةً أو عبّادًا للحيوانات، لا تصدّق من يريد أن يكون قائد ميليشيا تثير الرعب بين الناس بسلاحٍ قد يوقف حياتهم لا أكثر، لا تصدّق من يدّعي أنّه يريد أن يخلّصك من سلطة كذا وهيمنة ذاك وهو قبل أن يصبح شيئًا فرض عليك هيمنته، لا تصدّق من لا يحترم قوانين المواطنة والمدنية من يكفّر الناس إذا ما اختلف معهم برأي لا تصدّقه لأنّه سيأتي يومٌ يرميك فيه بالكفر ويحلّل دمائك، لا تصدّق من يفضّل طرطقة السيوف على حفيف القلم، لا تصدّق من يحوّلك إلى مسلّح لا تعرف عن أيّ شيءٍ تحارب، تضيّع حياتك على حاجز، تحصي ورقات الزهرة بين استراحات المحاربين، تتحسر على زمنٍ راح كان برائحة القهوة الصباحية واليوم يزكم أنفك برائحة باروده.
لا تصدّق كلّ من يمنعك عن التفكير بمستقبلك، كلّ من يريد أن يؤجّل موضوع حياتك إلى ما بعد الحرب، كأنّ التقويم لدينا يختصر بما قبل الحرب وبعدها، لا تفكّر بالأمر الآن، انتظر لحين انتهاء الحرب، هو يعرف تمامًا أنّ الحرب لا تنتهي ما لم تُفنِ كلّ من حولها، الحرب لا تبقي أحدًا حيًّا، تحوّل الحياة إلى مقبرة جماعيةٍ يتجوّل فيها الجميع كمشاريع قبور، الحرب لا تعرف كيف تنتهي، حتّى لو وقف الجميع في منتصفها ليقولوا لماذا نحارب، تصبح ممارسةً يومية، عادةً سيئة تتملك جسد المجتمع، لتحوّل شبابه إلى عصابات ونسائه إلى أرمل وحاقدات وأطفاله إلى مشاريع قنابل.
عمّا قليل سيصبح عدد القتلى في سوريا مليون، ومازالت الدول لم تتفق بعد، وعمليات التطهير مستمرةٌ على قدمٍ وساق، الدول مازالت محتارة هل تقدّم السلاح أم المال، ماذا لو قدّمت ساعاتٍ من السلام، من دون رصاصٍ وصواريخ وبلا عمليات تصفيةٍ وقتل، ماذا لو قررت أن تقدّم لهم صباحًا هادئًا وليلًا قصيرًا خاليًا من مشاعر الخوف عن عدد الضحايا، ماذا لو قدّمت لهم استراحة قصيرة من الظلام ودعوة تعايش ورسائل تذكير بالمصير الواحد.
يكفي البشر اشتراكهم بمصيرٍ واحد وهو الموت أن يحفّزهم على العيش مع بعضهم بسلامٍ ودون إبادات، يقول أحدهم. لكنّ البشر لا يقنعهم الموت، بل يزيدهم إصرارًا على ضرورة التخلّص من غيرهم كما في وقتٍ مضى تخلّص الآخرون منهم.
لماذا لا يوّزعون علينا الأقلام، لماذا لا نسمع عن شاحنةٍ محملةٍ بالكتب سهّلت الدول مرورها، لماذا لا نتسابق على التعلم كما نتسابق على النزاع، يقتل بعضنا الآخر من أجل السلاح ولا يقتلنا الغرق في الجهل والتبعية والتخلف. لماذا نجري نحو الموت جريا، نقبل أن ننساق خلف محبّي الدمار، لا نقف في وجه المخطّط الدموي الهاجم على بلادنا، نختبأ في بيوتنا، نترك شوارعنا لمسلّحين كانوا عمّا قريبٍ زعران الحارة، واليوم يمارسون هوايتهم الأزلية بالبطش بالناس.
نحن الناس العاديون الذين ذقنا مرارة الحروب، وطغيان الميلشيا، ورأينا بأمّ أعيننا كيف تحوّل قادة المحاور، ومطلقوا الرصاص، ومرتدو البزز العسكرية إلى سياسيي البلاد، واليوم نرى الطبقة الجديدة من الزعماء، ولادة أخرى لمن لا همّ له إن احترقت البلاد، لا همّ له إن تعلّم أولاده أو بقوا في المنازل، فهو قادرُ على تدبيرهم، لا همّ له ماذا يصنع، مادامت خزائنه تكتنز بالأموال وأوامره تؤخذ بالحسبان.
لو أنّ الموت يأخذ كلّ سياسي العالم، لو أنّ في داخلهم كبسولةً تنفجر بأمرٍ إلهي فتحيلهم إلى رماد، لو انّهم يختفون، تلك الأفواه التّي لا تشبع من السلطة والمال، لا نسمع إلّا عن تسهيلهم لمرور السلاح وتوزيعه ودفع حامليه إلى استخدامه.
كيف لأشخاص أسمائهم لا تكون إلا أبو ورد وأبو ضحى وأبو وأبو أن يكونوا بهذا الإجرام، لماذا لا تقام مناورات لحماية الإنسانية بدلا من كل تلك الاستعدادات العسكرية، التسليح والتسلّح ودعوةٌ لإعطاء المزيد من السلاح، قد تكون صواريخ كميائية، أو قنابل ذرية أو أي شيء من أجل أن يستمر القتال.

Advertisements