لا أحد يذكر

Posted on يونيو 19, 2013

0


لا أحد يذكر كيف بدأ الأمر، رويدًا صار خبر القتل أمرًا طبيعيًا، لم يعد يُسأل كيف ومتى، يعرفون تمامًا أنّ الموت يدخل بلادهم دون استئذان، يأتيهم بكلّ الأشكال، توّكّل مهمة أخذ أرواحهم، ترك كل بقاع العالم وجاء إلى مناطقهم. كان الخبر يأتي أن ثلاثة قتلوا، وأربعة وجدوا مقطّعين، وآخر اخترقت رصاصات جسده فأردته دون حراك، كانوا يعرفون القاتل، ويتوجسون خيفة أن يحل دورهم، الصوت الخافت الذي تردده السماء كان يرتفع يومًا بعد يوم، القاتلون الحاملون لأدوات الموت يتحركون وسط الظلام، يستغلون الصورة ليحيك الخيال ما يشاء من القصص عنهم، تلك القصص المخيفة التي تستذكرها قبل أن تغمض عينيك حالمًا بإغفاءة. لا أحد يعرف كيف بدأ الأمر، وكيف صاروا أعداء لكل من حولهم، هكذا بين ليلة وضحاها، حوّلتهم يدٌ خفية إلى خارجين عن قانون الجماعة، صارت الفتاوى تطالهم بأشنع الألفاظ، والناس تحب أمر الدين، تحب الطاقة الخفية التي يستغلها بشر مثلهم لفرض أهوائهم عليهم، الناس تحب صاحب السلطة الذي يحدد لهم العدو من الصديق، لا يهمها إن كان تشخيصه يحمل صحيّة أو خطأ. ما يهمّها أنّها وجدت عدوًا تلقي تبعات فشلها عليه، هم السبب لكلّ ما يحصل، هم من وطنوا اليهود في الأقصى، هم من سبّبوا هزائم العرب من النكبة، هم السبب، هم الذين تآمروا علينا مع أقليات أخرى ليسيطروا على عقولنا، واليوم ظهرت الحقيقة، اليوم اكتشافناهم، هؤلاء الخبثاء المنافقون المراؤون، ظن الناس أنهم اكتشفوا الحقيقة في ذات اللحظة تلك كانوا يقعون فريسة كذبة أخرى من سلسلة الأكاذيب الطويلة.
لا أحد يذكر كيف بدأ الأمر، البدايات غير مهمة، لا يشتهي أحد تحمل مسؤولياتها، يركض الجميع إليها، ويوم تحدث يتناسى الجميع أنهم كانوا السبب، وأنهم اشتغلوا ليل نهار من أجل هذه اللحظات الحاسمة، البدايات وحولٌ ضحلة تعلق بأقدامنا وتحول دون الوصول إلى نهاية. يستسهل الناس العنف، يظنون أنه سيوصلهم إلى مكان، لكن العنف على مر التاريخ لم يحقق شيئا من طموحات الشعوب، كل ما فعله هو إغراق الأجيال بدم لا ينتهي.
لا أحد يذكر كيف بدأ الأمر، لأن تراكمات الأحداث كانت أسرع من العداد الموجود في عقول الناس، توقف ذاك العدّاد منذ زمن، ربما بعد بداية الأحداث بقليل، هكذا اصطلحنا على تسميتها، الأحداث، حتى لا يحمل التاريخ وصمة غبائنا المفرط عن شعوب ارتضت أن تكون كبش فداء المشاريع الكبيرة. كان الموت يتزايد بوتيرة متسارعة، لدرجة أن الناس فسرت ذلك التزايد الهائل برغبة آلهية بتقليص عدد الأحياء، بدأ الأمر برغبة حقيقية نابعة من صميم القلوب بالوصول إلى النهاية، تلك النهاية الموعودة في الكتب المقدسة، والتي تحقق النصر الحاسم لجماعة من البشر على غيرهم، وعد آلاف الأعوام، الممر الإجباري للقيامة، بدأت الأحداث بناءًا على تحذيرات الماضي أو خرافاته، قرر جماعة من الناس ،كما سارت الأمور على مر التاريخ، أن الحل لا يكون إلّا بإبادة جماعة آخرين.
لا أحد يعرف كيف بدأ الأمر وكيف وصلنا إلى هذه المرحلة، كيف صرنا نلقى الأجساد الهامدة دون أن يتحرك في داخلنا أي إحساس، كيف صرنا نشاهد الموت فجا دون أن نسأل لماذا ودون أن يكون لدى أي أحد منا رغبة في إيقاف المد الظلامي. هكذا غدت أيامنا انتظارا للموت، وحكاياتناتختصر بالعلاقة الحميمة التي نسجناها مع ذاك الملاك الأسود. لا أحد يتحرك لا أحد يسأل لماذا يموت هؤلاء ولماذا يقتل أولئك، لماذا تفجر سيارةٌ مفخخة في أجساد جماعة من الناس لماذ تكون الجنة مصير قاتل سُيدخل مظلوما إلى النار، لا أحد يسأل لماذا أخذ بعض البشر دور الإله وقرروا أن يميتوا ويحييوا دون أي سؤال، لماذا كل هذا الموت وهذه الرغبات في تعميمه كشبح هائل يغطي كل المناطق.
لا أحد يعرف كيف بدأ الأمر، وكيف تحول الناس إلى أعداء ومن أين نبتت تلك الكراهية التي تجعلك تتمنى الموت لكافة الأطراف المقابلة. لا أحد يعرف كيف صارت الأحداث فجة لهذ الدرجة واللعب على عواطف الانتماء والتخويف والاضطهاد أمور مقبولة. لا أحد يعرف من أين جاء كل هذا السلاح الذي يستطيع أن ينشل بثمنه البلد كله من الفقر والجهل والتخلف، لكن الناس يشتهون إغراق أنفسهم في خلافات معادة مكررة تفرض عليهم حياة رتيبة يصبح فيها الخبز والنوم دون قذيفة أقصى أحلامهم.

Advertisements
Posted in: لست أدري