أكبر من ذلك بكثير

Posted on يونيو 18, 2013

0


ليست القصّة إذن حرية وديموقراطية، ولا رغبة برؤية الربيع يسكن العالم العربي المفزع، الصقيع الذي يمتد على طول المسطّح يجعل كلًّا منّا يختبأ في صندوقه، لا يفكّر بأبعد من حدوده الخشبية، القصّة ليست كما كنّا تنوهم أنّ العالم يريد أن يرانا نرمي أوراقًا في صناديق اقتراع، سايكس بيكو سقطت هذا ما يقوله مفكرو العالم الأول ونحن اليوم نعيش في مرحلة رسم حدود، لكلٍّ ستكون دولة، تنتهي بلفظ ستان، كردستان، شيعستان، سنيستان، موارستان، قبطستان، لكلّ واحدٍ منّا دولة تحاكي دولة إسرائيل، تجمع بين ثناياها شعبًا مختارًا، يؤمن أنّ الحياة من حقّه وحده، ولا تليق بمن دونه. ليست القصّة إذن رغبةً في إعلاء شأننا في هذا العالم، فنحن بنظرهم أكباش فداء، تُدفع ثمنًا للحدود الجديدة، الحدود التّي تُسقّى بالدماء لتحمي بشرًا يتشابهون بالولادة والنهاية عن المساس ببعضهم البعض.
كم من الدماء يجب أن تذرف لتحقيق خارطة الطريق الجديدة، خارطةٌ تحمي كلّ شيءٍ عدا الإنسان، تحمي النفط والذهب والمعادن، تحمي الغاز والماء، لكنّها لا تحمي أبدًا من وجدت لأجله كلّ هذه الأشياء. الكائن الوحيد العاقل على كوكب هذا الأرض مستعدٌ أن يفني نفسه من أجل الربح والمال. الكائن الوحيد العاقل يرمي بعقله للحصول على برميل نفط. ونحن كالبلهاء نظنّ أنّ المسألة ليست سوى تخلّصٍ من نظام أو من جماعةٍ من الناس، نظنّ أنّ من حولنا يشكّلون تهديدًا جديًا بالحياة، نظنّ أنّ الخطر يكمن بمن يحيطوننا بالمسكن، لكنّنا لا نعرف أنّه آتٍ من وراء البحار، إنهم يتناقشون بأمرنا الآن، يحركون خيوطنا المخفية من سقف العالم، بيدهم كلّ شيء، لو أرادوا لأشعلوا هذا الصباح حربًا تنهي القصّة عن بكرة أبيها، لكنّهم غير مستعجلين البتّة. ماذا نفعل عندما نعرف أنّ كلمةً واحدةً من هؤلاء الكبار ستوقف الجحيم الذي نشوى على ناره، ماذا نفعل عندما نعرف أنّ الأمر ليس سوى لعبةٍ تلعبها الدول الكبيرة الساكنة العالم الأول، تلعبها بمفهوم اللعبة الإلكترونية، كأن ما يحدث ليس واقعًا، كأن ما يحدث يبقى خلف الشاشة، كل السلاح ذاك مجرد لعبة، الصواريخ والدبابات وأسلحة الموت الفتاك ، كأن المليون الذين ماتوا ليسوا سوى صورة افتراضية، وتلك الأجيال المحطمة، والتفقير والتجهيل كلّها أمورٌ تنتهي بوقع كلمة انتهت اللعبة.
تهرع الفتنة إلينا، ونحن فاتحين لها أحضاننا، نصدق أن أحدا يهتم لمصالحنا، نصدق أن أحدًا يهمه إن عشنا وإن متنا، وحتى نوعية حياتنا، كل ذلك الضخ الذي يود بالقوة أن يفرقّنا، كأنّ الشيعي له أنفٌ أطول أو أنّه يُخلق بأربعة عيون، أو كأنّ السني يحمل علامةً فارقة تميّزه عن باقي الخليقةً، كل ذلك الضخّ الأبله المسخّر لتظهير فريقين عليهما استحضار قصّة ألف عام، تستقربها وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت ورجال السياسة وشيوخ الفضائيات، ألف عام تبدو بنظرهم كأنّها حدثت البارحة، يريدون إقناعنا بأنّ عليًّا وعمرًا كانا يسهران في مساءٍ قريب واختلفا وتخاصما ونحن أهل الجيرة علينا أن نحامي عنهما، يا جماعة، هذه ألف عام، ألف عام، لو يظلّ صداها يتردد حتّى نستيقظ.
لا أعرف اسم المخطط الجديد، ربّما ستكشف الأيام القادمة اسمًا برّاقًا يُفرض علينا بالعصا والجزرة كالعادة، لا فرق. ففي هذه البقعة من الأرض لا نستأهل الأوطان ولا الدول، لأنّ في داخل كلٍّ منّا حاكم صغير يمارس سلطته بالقمع على من حوله، “في كلّ بلاد العالم يصبح الميلشياوي رئيس عصابةٍ أو مافيا إلّا في بلادنا فإنّه يتحوّل إلى رئيس على العباد”.
تلك الدول الثمانية تعرف أننا نستأهل كل ما يحصل لنا.

Advertisements
Posted in: لست أدري