وداعًا فايسبوك

Posted on يونيو 10, 2013

4


facebook1
تركت الفايسبوك، لم أعد موجودةً هناك، قررت أن أتخلى عن عادةٍ أدمنتها بقراءة آراء الناس، ربّما لم يلحظ أحد، فأنا لم أكن جذّابة لهذا العالم الافتراضي، بضع لايكات قررت أن أستغني عنها وأُغني نفسي عن هذا المدّ الهائل من حرية الرأي والتعبير. أصبح عالمي أكثر هدوئًا، لم يعد آيلًا للسقوط، أقرأ الخبر متجردًا عن رأي المئات من الناس، اقرأه كما حدث، لا كما يحدث في عيون الفايسبوكيين. منحنا الفايسبوك شعورًا بالأهمية، مكّن كلّا منا من إبداء رأيه دون أي ضوابط أخلاقية، جيّش وحضّر لحربٍ طاحنةٍ ما تزال تفتقد الشرارة الأولى.

لا أحد يجبرنا على البقاء هناك في تلك الصفحات التي تنبت كالفطر، لا أحد يجبرنا على الاستمتاع بهذا الكمّ الهائل من الكره والسخرية والحقد، كلّ فردٍ أصبح أشبه بدولة، يطلق الأحكام والخطوط والقرارات، يظنّ أنّ أحدًا يهتّم له في العالم الحقيقي، يظنّ أن صراخه قد يغير ما كُتب علينا، الكل يصرخ في ذاك العالم، يتسابقون لرفع أصواتهم التي ترتطم بشاشات حواسيبهم وأجهزتهم الزكية، الضجيج الذي يحدثونه لا يعدو عن كونه جعجعةً لم تفد البشرية بشيءٍ غير إشعارها أنّها على حافة الانهيار.

تركت الفايسبوك وأشعر بخفّةٍ لم يسبق لها مثيل، تلك الخفّة التي كنت أبحث عنها دومًا، والتّي تجعلني غير مرتبطةٍ بشيءٍ يشدّني إلى الأسفل، إلى حيث بانت غرائز الناس بعشقهم للعيش في غابة للحيوان، حيث يستبدلون طاغيةً بطاغية، بحكمٍ يدوسهم بالنعل بحكمٍ آخر يقطع لهم رؤوسهم وسط تهليلهم الأبله للعنف والدم والسلاح.

الحياة الافتراضية عرّفتني إلى الكثير من الأشخاص، الجيد منهم والسيء، بعضهم يظنّ أنّه متحكم بزمام اللعبة وآخرون يكتفون بكونهم مراقبين، أشخاصٌ لا تفرق معهم إن حكموا على فريقٍ كاملٍ بأمور مسبقةٍ قرؤوهافي التاريخ، بعضهم يرى الحقّ معه أينما دار، بعضهم لا يقبل رأيًا ولا مناقشة، بعضهم لا يعرف أن كلامه يصنع مئات من العقول، بضهم تعوّد أن يرى كلّ من حوله أقزامًا وآخرون يستعظمون شأنهم ويظنون أنّ كلامهم يملك وقعًا على ساحة الواقع.

في الآونة الأخيرة امتلأ كلّ شيءٍ بالحقد، لم يعد الأمر جميلًا البتّة، الكلام عن الطائفة صار وترًا رئيسًيًا، تحوّل العالم كلّه إلى فريقين، نواصب وروافض، هكذا توّجب عليّ أن أكره رفاقي من الطرف الآخر، وأن أتمركز في موضعي دفاعًا عن طرفي أنا، توّجب علي أن أرى أخطاء هؤلاء وأغضّ النظر عن أخطائنا، توّجب علي أن لا أرى قطع الرؤوس على صيحات التكبير، وأوافق على كلّ ما يُشاع من مخططات دولةٍ دينيةٍ لم يتحدّث عنها أحد إلّا أصحاب الرايات السوداء.

ذاك المخطّط اللئيم الذي حوّل المسلمين إلى أعداء، ذاك التحذير الذي سوّقته أميركا من قبل عشر سنوات، فرّخ الآن في الرؤوس مخاوف تدفع الجميع للانسياق خلف دعواتٍ عمياء. من يحبّ الإسلام لا يتحدّث عن التقاتل بين أبنائه، من يعرف الإسلام لا يدعو إلى الكراهية وشقّ الصف، من يتحدّث عن المجوس عليه أن يتذكّر أنّ العرب كانوا عبّاد أصنام، من يتكلّم عن النواصب عليه أن يعرف أنّ هذا الموضوع مرّ عليه أكثر من ألف عام.

تركت الفايسبوك لأنّني شعرت أنّ القيامة لا تقرع أجراسها إلّا في بلادنا، وأنّ الموت لا يأخذ إلّا أهلنا وناسنا، وأنّ السواد لا يتمدّد إلّا على أرضنا. هذا الشعور بالأهمية انتفى، تعليقاتنا، مشاعرنا، صور المجازر، رائحة الموت، كلّها غير مهمّة يظنّها العالم كلّه أمورًا افتراضية، لا يمكن لكمية هائلة من الدماء أن تسيل من دون أن تحدث صعقةً في القلوب فتتهافت الدول على إيقاف الجرح النازف.
تركت الفايسبوك لأنّني قررت أن أصبح كائنًا حقيقيًا، لا مجرد حسابٍ رقمي.

Advertisements
Posted in: لست أدري