دعوة لانتحار جماعي

Posted on مايو 28, 2013

0


يتفنن العرب باختيار جلّادهم، لا يقدرون على العيش دون حروبٍ ودون ثأرٍ أو دماء، يحيون على رائحة الموت، يرفضون الامتثال لأوامر الناس العاديين، يريدون ديكتاتورًا، وحاكمًا صلبًا، وجهازًا أمنيًا لا يسمح لأحدٍ حتّى بالتقاط زفراته، يرفض العرب العيش دون معارك، كأنّ أيامهم لا تهنأ إن لم يذهب فيها أكثر من ألف قتيل، كأنّ هنالك آلهةً في السماء تسألهم عن قرابين، وهم بدافع الحفاظ على حياتهم العظيمة تلك، يدفعون الجسد وراء الآخر، الشعب وراء الآخر، حتّى الأوطان تقدّم على المذابح تلك.

صدّام حسين، رئيس العراق السابق، الحاكم بقبضةٍ من حديد، السفّاح الذي كان لا يمانع قطع رؤوس شعبه إن رفضوا الامتثال لأمره، من رمى أسلحة كيميائيةً على ناسه، وضرب آخرين بالصواريخ ليقتلهم جميعًا نساءًا وأطفالًا ورجال. صدّام حسين ذاك صار شهيدًا عند العرب، من اللحظة التي رأووا فيها حبل المشنقة يلتف حول عنقه، اهتزّت مشاعرهم، نسوا كلّ تلك الأرواح التّي دفعت ثمن كرسيّه، نسوا المقابر الجماعية، والتجويع والإعدامات، وتركّز الموضوع في رؤوسهم من دون ماضي، ليتحوّل ذاك الرجل، إلى ملاكٍ بريء تآمرت عليه أقلياتٌ من شعبه، وأردته قتيلًا، وهو عندنا نحن العرب ليس سوى شهيد، بدمائه الطاهرة يفتح أبواب الجنان.

هذا التفكير العربي الأرعن الذي جعل من قاتلٍ سفّاحٍ شهيدًا، لأنّه سني. ويجعل من قاتلٍ آخر مجرمًا يحلل دماه الآن فقط لأنّه علوي. حتى أنّ التفكير ذاك بعظمته طال أيضًا الأموات ليميّز في مماتهم، فأصبح من قتلهم صدّام  من أكراد وشيعة خوارج منشقّين أعداء للأمّة الإسلامية جمعاء، ومن يقتلهم بشار الأسد أبناء الأمّة وأحبّائها.

هكذا يقوّلب كل شيءٍ في عالمنا اليوم، تنتشل الإنسانية من الأرواح، لتهيم الأجساد بقلوبٍ من حجر، من ينتمي إلينا، حتّى ولو ببضع حروفٍ على الهوية أو بلفظٍ بسيط هو منّا، هو معنا، دمه من دمنا، لا يجوز المساس به، ومن يخالفنا في الانتماء والاعتقاد لو تُذاب عظامه وتسقي الأرض لن تصدر عن أنفسنا تنهيدة رحمة.

عندما نستطيع كعرب الاعتراف بأنّ صدّام كان مجرمًا قاتلًا، حكم شعبه بظلال الموت عندها فقط يحقّ لنا الحديث عن ثورة، عندما نستطيع أن نرى المجرم والقاتل ولا ندافع عن أحد  فقط لانتمائه العرقي والمذهبي عندها نستطيع إشهار راية الثورة.

لم يقتنع العرب بعد، كل الدماء التّي مرّت من أمامهم لا تمنعهم عن ارتكاب حماقةٍ أخرى تُسجّل لهم في التاريخ، كأنّ لا شيء حدث أمامهم، كأنّ لا مجازر عانوها ولا إبادات رأوها أثبتت أنّ أحدًا لا يمكن أن يُفني أحدًا عن وجه هذه الأرض. لم يستفيدوا من التاريخ الحافل بمآسيهم، يريدون أن يستذكروا رائحة الموت العابقة في الأنوف وأن يروا الدم يسيل في أزقّة المدن يغسل طرقاتها، كأنّ أحدًا يتابعهم، وهم لا يعرفون أنّ العالم أجمع لا يحفل بصراعاتهم البلهاء، المهم عنده ذاك الكم من المصالح، المهم عنده نفطه الذي يوّد أن يحصل عليه ولو من الشيطان، المهم أن بلاده آمنةً مستقرّة، أمّا تلك البلاد التي تغرق رويدًا رويدًا بالدم لا تعنيه أبدا، أخبار الليدي غاغا مهمّة أكثر من مئات القتلى في سوريا ومثلها العراق، انتفاخات كيم كاردشيان و تتبع تفاصيل مشاهيرهم أهم من التجزير الحاصل في تلك الأراضي البعيدة.

دافعوا عن كلّ شيء لأنّ في أعراقه امتدادٌ لدمائكم، دافعوا عن أيّ مجرمٍ فقط لأنّ كلامه يشبه ما تعتقدون به، دافعوا عن التكفيرين لأنّهم باعتقادكم يوّدون قتل من يخالفوكم، دافعوا عنهم لأنّكم لستم أنتم من ستموتون، قولوا بأنّ العالم  يفتري عليهم، وبأنّه يقول عنهم أشياء ليست حقيقية، يحاول نسج قصصٍ خيالية، قولوا بأنّ اليد الخفية توّد تشويه الكادر الجميل ، أقنعونا  بعدم الخوف من هذه الصور الآتية من خطوط المعارك، هذه معارك نفسية، الرجل الذي أكل قلبًا كان يوّد أن يجّرب طعمه لا أكثر، الذبح بالسكين هوايةٌ قديمة للتنفيس عن ضغوطاتهم الحياتية، حبّهم لرائحة الدماء والخراب هذه دعايةٌ مفرطة، هم مسالمون محبّون للبشرية لدرجة أنّهم يوّدون إرسالها بكامل عددها إلى الجنّة.

التفكير الأرعن مستمر، التفكير السطحي الذي يحصر الحياة بنحن وهم ويُعمي الأبصار عن رؤية الحقيقة هو الرائج اليوم، التفكير الذي يجعلنا أمام خيارٍ واحدٍ ينحصر بدعوةٍ لانتحار جماعي تخفّف من هول المأساة القادمة من خبايا التاريخ، والكلّ للأسف يصفق لها.

Advertisements
Posted in: لست أدري