الثأر الذي لن ينتهي

Posted on مايو 20, 2013

1


مرّ ألفٌ وأربعمئة عامٍ على هذه الحكاية، والبعض يظنّ أنّها حدثت البارحة، يستذكر شخوصها وأبطالها، يحاول أن يجلبهم من الماضي إلى هنا، يحيي أي فعل أو حادثة كما لو حصلت منذ أمس وليس قبل هذا الكم الهائل من الأعوام. فتح النبي مكّة، قال للجميع اذهبوا فأنتم الطلقاء، لم يُبقِ أحدًا في عدّته، من آمن آمن ومن بقي في قلبه حبٌّ للأصنام عاد ليأخذ بالثأر في معركة بدر، يومها انتصر المسلمون وكانوا فئةً قليلة بوجه من يخالفهم بالمعتقدات، بعد ستين عامًا من الواقعة تلك، قتل يزيد سبط النبي في معركة كربلاء، حزّ رأسه ورفعه على رمحٍ ودار به في طرقات البلاد، وأنشد من على كرسيّه بيتًا من الشعر، ربّما سيلخص مجرى كلّ حياتنا من نقطة الخلق إلى نهاية الحكاية،

ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الاسل
قد قتلنا القرن من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل

الثأر ورد الثأر، سلسلةٌ طويلة من الدماء تمتد على طول التاريخ من أجل شيءٍ حدث في مجاهل الماضي.

يخيفني الثأر، تلك الدوّامة التّي لن تنتهي، كأنّنا في صراعٍ أبدي، نريد أن نأخذ بحقّ من التحفوا التراب دون كلل، نحييهم من الماضي، نشبّه الأحداث الدائرة اليوم بقصص التاريخ ولا نخجل، هذا العباس، وذاك يزيد، وتلك هند، نوقظهم لنعيد تمثيل شيءٍ دفع المسلمون وقتها ثمنه آلافًا من الضحايا، ونحن اليوم بكلّ قوّة نرغب بدفع ثمننا من هذه القصّة التّي لن تنتهي.

الأخذ بالثأر على حوادث مرّت منذ ألف عام، وتستعاد اليوم بقوّة، تُظهر كم نحن عالقون في ماضٍ سحيق، لا نجد أبدًا صعوبةً في استحضاره، لا نجد صعوبةً في خلق أحاسيس مشحونة تناسب  الجو المطلوب.

أوّد لو أصرخ، أنا لا أريد أن آخذ بثأر أحد، لا أريد أن أحيي من مات، من مات قد مات، لن أتقاتل على شيءٍ تجاوزه الزمن ونحن لغبائنا لم نقدر بعد على نسيانه، يملئنا حقدًا وكراهية، يصبح أيّ سنيٍّ قاتلًا للحسين وأيّ شيعيٍ كارهًا للصحابة، أريد أن أنسى، أن أتخفّف من هذا الثقل الذي يريدنا الآخرون حمله، ثقل التاريخ الأجوف بمعاركه التي لا تنتهي، ثقل الضحايا الذين ذهبوا دوسًا بين الفرقاء، أريد أن أنسى هذه القصص والحكايا التي تنخر في آذاننا، كي لا ننساها. أريد أن أنسى وأسامح، لا أريد أن  آخذ بثأر أحد، لم يبقَ منهم أحدٌ على قيد الحياة، لماذا عليّ أن أرهق نفسي بمن مات وأنسى من هم على قيد الحياة.

لو تخفّفنا من شعاراتنا تلك التي توّد أن تحمل عبأ الألف عام، سنرتاح. ستكون القضية مسألةً آنيةً لا تحمل أيّ بُعد. لو رمينا عن أكتافنا ثقل الدم الذي نزف في كربلاء، وما مرّ بعدها من عمليات تصفية حسابات، لن تكبر القصّة لتصبح بحجم فتنةٍ تبتلعنا جميعًا دون هوادة. كلّ ما يحصل لا يتجاوز الأمور السياسية ونحن مصرّون على تطوافها على طول التاريخ، ليس الأمر مشكلةً سنية شيعية، هي مشكلة نظامٍ وشعب، تدّخل فيها العالم أجمع، بطريقةٍ مقرفةٍ جعلت الأمور تفلت من عقال الإنسانية، لكن لا أحد مستعجلٌ على حل، مادامت المشكلة محصورةً داخل حدود بلدٍ واحد. منافسة من الكبار على الصغار، وما دام الضحايا من الصغار فلا بأس بما يحدث لا أكثر…

Advertisements
Posted in: لست أدري