الوضع ليس جيدًا

Posted on مايو 19, 2013

0


ستقع.. لن تقع، ستقع.. لن تقع، أحاول أن أستعين بأيّ شيء حتى أعرف متى ستقع تلك الحرب. أحاول أن أراهن على ورقات زهرة، أو أن أترصد تصريحات هذا وتحركات ذاك، أحاول أن أراقب حركة السيّاح في البلاد، الدول الكبيرة تعرف، لن يخفى عليها أمر الحرب، ستُخرج رعايها فورًا إذا ما شمّت رائحة خطر.
يسكنني هاجس الحرب، منذ 2006، والحرب ما زالت ماثلةً أمامي، كمصيرٍ أبدي كُتب على المنطقة تلك، صوت الطائرات الحربية التي تجعر في السماء، الغارات التّي يُشترط سماعها كي تتأكد من استمراريتك في الحياة، صور الأشلاء، ثقل التهجير حتّى ولو كان داخل أرضٍ من المفروض أن تكون وطنًا جامعًا لكل أبنائها، هذه الخزعبلات. تسكنني الحرب، صارت همّي الأكبر، كلّ المستقبل يتمحوّر حولها، تلك الحرب الكبيرة الشاملة التي نسير نحوها بتؤدة، تلك الحرب التي لن نكون سوى وقودها، تحتاج للكثير من الأجساد.
لا، ليس الموت ما يخيفني، بقدر ما يرعبني طريقة الموت تلك، الموت بصاروخٍ لا يعجبني، الموت بأشلاء متطايرةٍ أو وحيدةً تحت الأنقاض، أو الذوبان مع حبيبات الغبار، كلّها طرقٌ أخاف أن تحدث لي، أخاف أن أرى صورة أشلائي موّزعةً على العالم، انظروا، انظروا ماذا يحدث في لبنان، أيقظوا ضمائركم، ليهتزّ على أثرها الضمير العالمي قليلًا، ثمّ يعود تدريجيًا إلى وضعه الطبيعي، موتي إذن لن ينهي الحرب الموعودة، سأكون مجرد جسدٍ آخر، مجرد قتيل على مذبح الهراء.
الوضع ليس جيدًا، الوضع ليس جيدًا لتزوري البلاد، ولا لتسكني في البلاد، منذ ولدت والوضع ليس جيدًا هناك، حتّى جدّي لمّا قرّر بناء منزله قالوا له لا تفعل، غدًا سيحترق جنوب لبنان، لكن جدي بنى منزله وعاش فيه هو وأبنائه، واليوم يعيش فيه أبنائه مع أبنائهم، لكن الوضع مازال ليس جيدًا. هذا الوضع الأحمق الذي لا يعرف كيف يهدأ، هو دومًا في حالة حربٍ أو استعدادًا للحرب، لا حل ثالث لديه، قد تفسد أموره في أي لحظة ويعود إلى درجة ما تحت الصفر.
الوضع لم يكن يومًا جيدًا في لبنان، لا يهم، لكننّي أريد أن أعرف شيئًا واحدًا هل ستقع الحرب هذا الصيف أم لا، أريد أن أعرف، صديقتي قررت أن لا تنزل في عطلتها الصيفية إلى لبنان، هي تقول أنّ السفارة الأميركية قد أوعزت إلى أقرباء لها يملكون جواز سفر أميركي بمغادرته قبل موعدهم المحدد، كان ذلك بعد الغارة على دمشق، إذًا كانت الحرب مرسومة، اليوم لا أعرف إن أجلوا رعاياهم أو حذروهم من الذهاب إلى لبنان.
لا أعرف، تلك الحرب اللعينة، تقع فجأة، لا تسمح لأحدٍ بالتقاط نفسه، تبدأ بحصد الأرقام من الأموات كأنّها في مهمّة لتحطيم رقمٍ قياسي، تلك الحرب ترفض أن تخبرنا متى ستقع، تحافظ على سريتها المزعومة، ونحن يتوجب علينا أن نعيش معما تقدّمه لنا، خياراتها تلك، تتحكّم بنا، بخطّطنا، بزياراتنا السريعة، ترفض أن تكشف عن وجهها البغيض قبل ساعة الصفر التي تحل كيوم القيامة.
أيتها الحرب أريد أن أعرف شيئًا واحدًا صغيرًا، لا، لا أريد أن أعرف متّى بالضبط ستقعين، وكم جسدًا سوف تلتهمين، أريد فقط أن أعرف هل ستقعين هذا الصيف أم لا، فقط لا غير..

Advertisements