قضى ذبحًا

Posted on مايو 4, 2013

0


لم يثر في ّ الأمر الحزن، صار قلبي صلبًا، قضى ذبحًا، ثلاثمئة شخصٍ قضوا بحزّ الرأس عن الجسد، أمرُ عادي في القرن الواحد والعشرين. إلى متى يمكن أن يستمر بحر الدم في سوريا، كأنّ الموت لم يمل بعد هناك، يرفض أن يخرج من البلاد، ولو أعطوه الصلاحية الكاملة لانتقل إلى الأرض التي تحيطها ليأخذ كلّ مقيمٍ على سطح هذا الشرق الأوسط التعيس. لا أحد مستعدٌّ بعد لكتابة الخاتمة، ربّما تستمر الحرب عشرين عامًا، ويسقط كلّ يومٍ خمسمائة إنسان، عدا عن المفقودين والمعطوبين والوطن الذي عاد ألف عامٍ إلى الوراء، قد تستمر ربّما لأكثر من جيل وتحتاج إلى مئة عامٍ كي تصفى القلوب التي تناحرت فيما بينها دون أيّ إحساس بالسنوات التي مرّت وهي تعيش متقاربةً. نرى جثثًا تطفو على سطح الأنهار في صورةٍ رهيبةٍ للموت الجارف، نرى أعناقًا فارغةً من الرؤوس، نسمع كلامًا بغيضا، نقرأ نصوصًا لا يقف كاتبها عند حد، يفقد الجميع إنسانيتهم، يصبح القتل مجرد خطإٍ فردي، يصبح فيه التنكيل بجثّةٍ واغتصاب حرمتها أمرٌ عادي تبرره الرغبة باقتلاع النظام، كلّ شيءٍ غدا مباحًا، الحرية بأقبح صورها التي تسمح لك بالاقتصاص من الآخر لأنّه آخر، لا لشيءٍ أكثر من ذلك.
بدأ عصر الظلام، تسدل الستارة على أيّ شيءٍ ترى فيه العقول المتحجرة مفسدة، لا أحد يعرف مقاييسها للأمور، لا أحد يعرف كيف يتمّ تحريم الجلوس على كرسي وتحليل دم إنسانٍ بشري، لا أحد قادر على تخيّل طقطقة عظام الرقبة سواء أكانت طريةً أو قاسية، لطفلٍ أو عجوز. بدأ العصر الأسود، حتّى لو لم نره، ولو كنّا مقتنعين أنّ ما يجري مجرد غمامة سوداء عابرة، ستنسحب عما قريب. تلك الحجارة التي تهدم على بعضها، ذلك الانتقام المتراكم في النفوس لمزارات ليست سوى وسيلةٍ للوصول للسماء، تلك العقلية التي لا تستطيع الخروج من جمود الكلمة، ما يزعزها لا حلّ له عندها إلّا باستئصاله، تهدّدها أيادٍ مبسوطة لتلاوة دعاء، يقضّ مضجعها مسحةٌ على قبر، يفجّر خلاياها محبّةٌ عارمةٌ في القلوب لناسٍ أثبت الزمان أنّ ذكراهم لا يمكن أن تنجلي عن هذه الأرض.
أبقوا أعينكم مغمضة، صمّوا آذانكم، لا تسمعوا لصرير الليل الذي بدأ يعلو على حافة الزمن. لا تسمعوا للتبريكات التي تحصل على الذبح، لا تسمعوا للحديث عن الرؤوس اليانعة، قد يأتي موعدٌ لحزّ رأسكم عمّا قريبٍ من يدري، هل استشعر الضحايا موعدًا لساعتهم السوداء تلك؟
لم نكن يومًا نسير مع العصر، مازلنا واقفين عند نقطة الألف عام، ما زلنا هناك نتقاتل على رمل الصحراء، لم يصلح الزمن ما في نفوسنا، نتوارث الحقد والكراهية كما تتوارث البلاد الأجنبية تسلطها علينا، نقوى على تدمير بعضنا لكننا نخر عاجزين أمام أيّ يدٍ تلوح من خارج البلاد. تدمير للمقامات في ليبيا وتونس والمغرب وسوريا وأخيرًا الأردن، كأنّنا ننتقم من التاريخ بدلًا من أن ننقم على أنفسنا المريضة التّي لا تستطيع إلّا افتعال حروب داحس والغبراء. حروبٌ لا تنتهي، تحتزّ روح الملايين، من أجل أيّ شيء، بعد أول عامٍ ينسى المحاربون لماذا امتشقوا السلاح وعن أي شيءٍ يدافعون.
الإنسان إذا ما تجرد من روحه يصبح جيفة، البلاد إذا ما تجردت من ناسها تغدو مقبرة، وكذلك كلّ شيءٍ في الحياة، الكعبة ليست سوى صندوقٍ حجريٍ لمن ليس مسلمًا، لكلّ إنسانٍ أشياءٌ تحمل في روحها المعنى، هي ليست مجرد حجارة وليست مجرد قبر، هي معنى هي روح، لا أعرف ماذا سيتبقّى لنا بعد أن تنتهي كلّ هذه الأحداث ويعود المحاربون إلى ديارهم.

Advertisements
Posted in: لست أدري