من المخرِج هناك؟

Posted on أبريل 24, 2013

0


القضية موضة، الكلام موضة، كلّ يوم يتحّدّث العالم عن شيءٍ ليطويه تمامًا في اليوم الثاني، أيّ شيءٍ مهما كان حجمه وهوله لا يصمد أمام الموضة التي تروج في الغرف المغلقة، لا المجزرة ولا حجم القتل ولا الدم ولا الإرهابيون ولا من يقاتل، ولا أيًا من ذلك قد يصمد أمامها. يتحوّل كلّ شيءٍ في سطوتها إلى حدثٍ عابر لن نذكره ولن نبذل بعض الجهد للاحتفاظ به في الذاكرة.
موضة اليوم قصّة القتال في سوريا، ذلك البلد الذي تحول في غضون عامين إلى ما يشبه الجحيم، أقرب إلى اللعنة صار، إذا ما مسّ أحدًا أصابته لوثةٌ من جنونها. لن تعود البلاد كما كانت، وليس من أحدٍ في العالم مستعجّلٌ لحل القضية ما دام هو وعائلته ينامون بأمان ومن ُيقتل ليس إلّا فائض عددٍ من البشر المدموغين بلفظ الكمية لا النوعية. لا أحد يرى من أفق، كلّما تحدّث عن حل نرى سمائه تلبدّت دون أن تمطر ما قد يحي أرض البلد ويخلّصها من الغمامات السوداء المحتلة مداها.
انقسم الناس في البداية بين مؤيدٍ ومعارضٍ للنظام، ثم انقسم المعارضون بين جيشٍ حر وسلمية، ثم انقسم الجيش الحر بين جبهة نصرة ومعارضة وطنية، ثم تشعبت المعارضة الوطنية إلى مجموعات يرأس كلُ منها قائد وتأخذ الدعم من دولةٍ معينة، ثمّ أعلنت جبهة النصر أرضها دولةً إسلامية ووافقت معها دول الحرية على شراء نفطها مقابل ثمنٍ يحدّد لاحقًا في السوق السوداء. المعارضة الوطنية نفسها رفضت هذا التحرّك الغريب من الدول التي آمنت بها وقالت أنّ الأمرالمقرّر يحتاج إلى مزيد من البحث. وبين كلّ هؤلاء هنالك من مازال يسكن في سراب الثورة، ويعتبر أي شيءٍ لا يعجبه أخطاء فردية لا أكثر.
كثرت الأخطاء الفردية، وصار هنالك ألف مجموعةٍ تقاتل بعضها البعض، في حكاية قتل لا تنتهي، تحولت سوريا فيه إلى صحن طعامٍ يغرف الجميع بأيديهم منه.
أودّ لو نعود إلى الفترة الزمنية التي كان المعارضون يناقشون فيها إبقاء الثورة في خانة السلمية أو نقلها إلى خانة الدفاع عن النفس، يومها أيضًا انقسموا ليستقروا على مقولة الدفاع عن النفس، من تلك اللحظة بدأ الانحدار، واختفى الناس العاديون من الشوارع، وبدأ التطهير المتبادل بين الأطراف، وامتلئت حياتنا بصور المجازر والمذابح ومشاهج التنكيل وقطع الرؤوس، صار العنف اعتياديًا، لا يثير شهية أحد لقلب الطاولة، واكتفينا نحن بإطفاء التلفاز حتّى لا تراودنا الكوابيس.
من استمر في متابعة الأحداث هناك تعبّأ داخله بهاجس الغد المخيف. بوكرا بيجوا لينا. حتّى نبت في داخله البعبع، ذلك الوحش الكبير الذي ينتفض تلقائيًا كلّما داس الآخرون على أطرافنا. أنا لا أعرف، لا أستطيع أن أجزم صوابية أن يموت شبابٌ كالورود على أرض لا دخل لنا فيها، إن لم نذهب نحن سيأتون إلينا، الحشو الذي يقلب لك الحياة إلى نحن وهم لا أكثر، عليك أن تكون في معسكر من اثنين وإلّا أنت خائن أو عميل أو لا تعرف طريقة في التفكير
ووقفت أنا في منتصف الطريق، لا أعرف، لا أريد أن أدافع عن نظامٍ يقتل الناس، لا أريد أن أدافع عن رئيس يخاف من كلمة طفلةٍ صغيرة خبّأها في غياهب السجون، أو ربّما تكون قد ماتت الآن، كلّ ذلك الرعب الذي زرعه في شعبه، وحمامات الدماء، وغياب معايير الإنسانية، لا، أنا لا أريد أن أدافع عن هذا النظام، لا أريد أن أموت أو يموت أحد من أهلي من أجل أن يبقى هو وامرأته وأولاده على قيد الحياة، لن أنتهي قطعًا إذا ما اختفى النظام، لن أنطفئ من أجل أن يسطع هو.
على مرّ التاريخ لم يتعلّم البشر أنه رغم كلّ المآسي والحروب لم يبقى أيّ نظام مدى الحياة، ستأتي لحظة ينهار فيها، وكلّ من يبقى هم الناس العاديون الذين يقنعهم النظام أنّه إذا ما رحل لن يبقى منهم أحدٌ على قيد الحياة.
لكن في المقابل عقلٌ همجي ينافس النظام، برابرة آتون من كتاب التاريخ، رافعين ألوية الذبح، مسلطين سيوفهم على الرؤوس المستنفرة، أيّ رأسٍ يقصّ في الطريق، لم يقدّم الطرف المعارض شيئًا مشهيًا، انقلب إلى مسخٍ أسوأ من وحش النظام، جهلٌ للآخر وتصفيةٌ ماديةٌ ومعنوية لأيّ كائنٍ يخالف هواه، وإذا ما احتزّ رأسًا بالخطأ حسبه شهيد أوداه لحسن الحظ إلى جنة وحورية عين، هكذا غدى منطق الثورة بعد عامين من بحر الدم النازف.
مخطئون نحن إن ظننا أنّ أحدًا ينظر إلينا، مخطئون إن اعتقدنا أنّ أحدًا يحفل بموتنا، مخطئون إنّ اعتقدنا أنّ أحدًا يقاتل بأبنائه، مخطئون إن ظننا أن النظام لم يسقط بعد لقوته، لم يسقط النظام لأن أحدا لا يريده أن يسقط سوى الشعب، لو دول العالم كانت تريده أن يسقط لكان الرئيس رحل منذ زمن، لا يهمهم مدى الفظاعة، وحجم القتل والدمار، مرتاحون هم بهذا الوضع من اللا استقرار، يحتاج العالم إلى تنفيسىة، وسوريا هي أرض المعركة العالمية هناك. لم تعد القصة قصة نظام ومعارضة، صارت حسابات دول ومن يموت هناك هم الدمى الخشبية المعلقة بخيوط وهمية.
أنا لا أعرف، سوريا أصابتني بلوثة، صرت أكره الحديث عنها، أشعر بها كعبأ يلاحقني، كأنها رواية لا تنتهي، مسلسل أشبه بمسلسلات الأتراك، لحظة تشعر أنها الحلقة الأخيرة يخلق لك المخرج حدثًا من تحت التراب. من المخرج في سوريا، أين المخرَج من هناك.

Advertisements
Posted in: لست أدري