متى ينتهي المسلسل التركي؟

Posted on أبريل 24, 2013

0


ربّما سينتهي عمري قبل أن تظهر نهاية هذا المسلسل الذي لا ينفكّ يعرض على الشاشة، شاهدت حلقاته الأولى ثمّ انقطعت، ثم عاودت، ثم ّغبت لشهر ووجدته لا زال يعرض دون أدنى حياءٍ يجبر المخرج على إيجاد حلٍ ينهي الأيام الطويلة التي مرّ فيها. كل ّشيءٍ في تركيا لا ينتهي، لا المسلسل ولا حكاياها الصغيرة المنتشرة على حدودها ولا حتّى جهدها المبذول لنسيان ماضٍ مليءٍ بالدم من أجل دخول بوابة العالم الأول. تركيا لاعبٌ أساسي في المنطقة تتطمح إلى دورٍ ريادي وكلمة فصلٍ قد تدفع ثمنها أيّ شيءٍ، فالدول لم تملك يومًا قلبًا أو روحًا هي مجرد بناء جامد يجمع أجسادًا لا أكثر.
يعنّ الموت كثيرًا على بالي، أفكّر بأولئك المقبلين على مذبحةٍ ستتم رغم أنف الجميع ، على مرأى من العالم أو بعيدًا عن أنظاره، لا شيء يوقفها، لا الكاميرات المصوبة ولا الصورة المستوردة من أرض المعركة. ذبح و تطهير، هل كان السوريون يدرون بهذه الأيام،هل خطر على رأس أحدهم صورة يومً ما سيأتي يحزّ فيه أحدهم رقابهم من الوريد إلى الوريد دون أدنى رحمة لمجرد اختلافهم بمذهبٍ أو رؤية. هل بعث الله لهم إشارةً تنبأهم باقتراب موعد الشخت بالسكين الحاد. قرأت اليوم عن امرأة قررت أن تجري تجربةً حول السلوك الإنساني، فقررت أن تقف لست ساعات متواصلة أمام الجمهور دون أن تحرك ساكنًا على أن يقوم الجمهور بتجربة ما يحلو له من أفعال على جسدها، كانت النتيجة صادمة، ست ساعات من محاولة الإيذاء والاعتداء كي يجبروها على التحرك، لكنها أبدًا لم تفعل، ست ساعات كانت تزداد فيها قوّة الألم وشدّة الأذى، فقط لكونها لم تتحرك.
كيف يتجرّد الإنسان من روحه العاقلة، كيف يستطيع أن يمسك سكينًا ويقطع رأس طفل، كيف يستطيع أن يفجّر نفسه في أنفاسٍ بريئة، لو يُبعث ذاك الانتحاري من القبر، ليت الله يحييه ليخبر رفاقه ببأس مصيره، ليته ينطق فيقول لهم أنّ الحورية التي ينتظرونها لا وجود لها هناك في ذاك العالم، لا وجود لحورية، الحورية في الجنّة هي المرأة التي بذل جاهدًا في الدنيا لبناء عائلةٍ معها، الحورية هي زوجته، هي أمّه هي ابنته، هي نساء الأرض اللواتي يقتلهن.
لم تنتهٍ المذابح، مرّ مئة عامٍ وألف عام ومازال الناس يقتلون بعضهم عسى أن يبيدوا ويطهّروا أنفسهم من الأجناس الأخرى لكنهم عبثًا بائت جميع محاولاتهم بالفشل. لم ينتهِ المسيحيون، ولا اختفى الأرمن، ولا تلاشى الفلسطينيون ولا انتهى الشيعة، ولا اضمحلّ الأسود، ولم تفنَ العروق. حتّى الهنود الحمر الذين جزّرت بهم بلاد الأحلام مازالوا على أرضهم ولو بأعداد ضئيلة. كلّ تلك الإبادات، لم ينتج عنها سوى تاريخٌ أحمر، وماضٍ ثقيل، ومستقبل ممزوجٌ بالكراهية والرغبة بالانتقام الدائم لا أكثر.
لم ينتج القتل للقاتل شيئًا، متى نستفيق على هذه الحقيقة، أولئك الذين شاركوا في عمليات التطهير لم يغيروا وجه التاريخ، لم يبقوا على امبراطورياتهم مدى الحياة، ظلّ هنالك ناجٍ نقل حقيقة الأيام المرعبة إلى العالم، وفضح القلب المتحجّر ولو بعد فوات الآوان، والتاريخ يعيد نفسه بتكرارٍ أبله، في أرمينيا، وفي دير ياسين، وفي صبرا وشاتيلا، واليوم في العراق وسوريا، دائرةٌ مفرغة تغير فقط فيها المجرم والضحية، اسم وصفة القاتل واسم وصفة المقتول لا أكثر. لكن لا أحد يسمع للتاريخ، لا أحد ينظر فيه، إباداتٌ أخرى تضاف إلى سجلات البشرية دون أن تتمكن هذه البشرية من استجماع قوتها وطرد القاتلين. متى نستفيق قبل فوات الآوان، الرؤوس المتطايرة هي الإشارة للإبادة القادمة.

Advertisements
Posted in: لست أدري