“ان شاء الله يموتوا كلّن”

Posted on أبريل 14, 2013

0


ابني الذي لم يبلغ الثالثة من العمر بعد يهدّدني بإطلاق النار عليّ كلّما بادرت إلى فعل شيءٍ يخالف ما في باله. لا شيء في ألعابه يحوي ما يدفعه إلى التعلق بهذه الفكرة، لا ألعاب فيديو عنيفة ولا مسلسلات كرتونية مخيفة، ولا حتى ترداد لوقع الجملة أمامه. لا شيء من ذلك يكون سببًا وجيهًا للإصرار على تكرار الجملة كحق في الدفاع عن النفس. ربما في كونه يحمل جيناتً لبنانية ما يدفعه مباشرةً لاستخدام السلاح للتخلّص ممّا يزعجه. هذا الطفل الذي لم يعش بعد حربًا أهلية أو إسرائيلية توارث كلّ ذكرياتنا المزعجة والمخيفة، تلقائيًا يخاف من صوت الطائرة في السماء، يعرف الدم والموت، يعبّر عن حبّه وكرهه العميق للأشياء، عن رغبته في التخلّص نهائيًا ممّا لا يعجبه، يكفي أن يرسم بإصبعين اثنين شكل المسدس، ويطلق من فمه لفظ “طاق” حتّى نعتبر أنّ المسألةبأسرها قد حُلّت.
هل لدى تجّار السلاح في هذا العالم من أطفال، هل يخافون مثل أطفالنا من صوت الطائرات الحربية وانفجار الصواريخ والقنابل، أم أنّهم ينظرون إليها بكلّ جرأة، يعرفون أنّها لن تصيبهم بأيّ أذى، فهم تمامًا محميين في ذلك الجزء الأعلى من العالم، مادام جزءه السفلي يدفع ما يشاؤون من أثمان. أشلاءٌ لهياكل صغار تُقدّم على مذبح الانتصار الذي لا بد أن يكون حاسما يبيد من يخالفنا بوصفه العدو المنقطع النظير الذي لا يمكن العيش معه أبدا.
أكثر ما أكرهه في هذا العالم هو التهليل لطاغية،ٍ لفريقٍ، لحزبٍ، لانتماءٍ، من أجل إظهار عداوتنا للطرف الآخر. هذا العالم الذي يوّد أن يلبسك ثوبًا واحدًا دون سواه، فإن لم تكن في ذاك النفق تكون حتمًا في النفق الآخر. تكون مع كوريا الشمالية، ذلك البلد ذو النظام المختل فقط لأنّه يهدّد أميركا، تكون مع الجيش الحر ودمغات الإجرام وأفعال لا إنسانية يقف منها شعر الرأس فقط لأنّه يحارب النظام. يحضرني صورةٌ واحدةٌ لما يحدث في سوريا اليوم، عبّرت عنها فتاةٌ صغيرة تصوّرها الكاميرات بعد مقتل عائلتها في الصواريخ ذات الرؤوس الكيميائية التي ألقتها جماعاتٌ إرهابية على حي في حلب، قالت جملةً واحدةً تختصر كلّ الحكاية ” ان شا الله يموتوا كلن” فليمت النظام والمعارضة والجيش الحر وجبهة النصرة وكل من يشارك في هذه اللعبة البشعة التي لا تقتل سوى العائلات، فليمت كل من لا يخلق غير الموت، فليمت من يرغب حقا بالموت، ويكره الحياة ويفتعل صورة سوداوية للأمور.
لماذا لا يذهب الذين يريدون أن يموتوا إلى كوكب آخر، فيتقاتلوا هناك ويفني أحدهما الآخر، ويبقى على هذه الأرض من يرغب بإكمال الحياة بطبيعتها دون حاجة إلى طرف ثالث يؤدي دور مساعد ملاك الموت.
فليمت كل من يجلب الشر لهذا العالم، فليمت ذلك الانتحاري الذي لا يستطيب الموت ما لم يقطع رجلي طفل عراقي خرج يلعب في الشارع، فليمت الجنود الذين قتلوا العائلة المختبئة من الظلام الذي يعم البلاد، قتلوا الأب والأم والرضيع والطفل وأبقوا على فتاة صغيرة لتنقل لنا الحكاية.
عندما أفكر بالحرب، أكانت محلية أو خارجية، شيء واحد يدور في عقلي هو بينما نحن نموت من أجل أفكار خطرت على عقل بشري ما على كوكب الأرض هنالك من يتمدد على الشاطئ باسترخاء، وهناك من تعب من كثرة ما تجول في الأسواق، وهنالك من مل من كثرة الأمان، وهنالك من انتحر لأن حياته خالية من أي عنصر تشويق ذلك العنصر الموجود بإسراف في عالمنا نحن.

Advertisements
Posted in: لست أدري