كرّهتونا عيشتنا

Posted on مارس 19, 2013

0


أكره كل شيء، لم تعد في قلبي ذرّة حبٍّ لأيّ شيءٍ في هذا العالم. صرت أكره الدين، واللحى والنقاب، صرت أكره السياسة والتزمت والطائفية والمذهبية، أستحي من مذهبي الموضوع على إخراج قيد، أخجل من كلام البعض الذي لم يعد مستغربًا عندما يُقال، لماذا مرّوا من هنا، هذه ليست مناطقهم، لماذا عبروا، لو كنّا في الطريق الجديدة لفعلوا بنا أكثر من ذلك، لا أستطيع أن أحتمل المزيد، الطيران الإسرائيلي الذي يحلّق بسمائنا، الحدود الشمالية المفتوحة على الجحيم الذي لا ينقص إلّا أن تسقط به، الضخّ الذي يقطع الطرقات ويفرز البشر. أريد مكانًا آخر، أبحث عن أرضٍ أخرى تسع حلمي الوحيد الذي لا يتجاوز حدود العيش بآمان.

مرة أخرى يُقال أن البلد نجى من فتنة محتمة، مرة أخرى في غضون أشهر قليلة يعاد السيناريو الذي مللنا منه، إغلاق طرقات بإطارات حارقة، شباب هائج يود الانتقام لشرف الطائفة، نفس المشهد تنقله الشاشات مع كلام قليل عن رغبة الشعب باستبعاد الفتنة واستحالة عودته لحرب أهلية لم تقع منذ فترةٍ بعيدة. كيف يمكن لجيل عانى من حربٍ أهلية أن يفكر في إمكانية العودة إلى القنص والخطف والقتل على الهوية، كيف يمكن له أن يفكر بخطوط تماس جديدة.

ماذا ينتظرنا، تحاول العقول التكهن بالمستقبل، هل هي حربٌ أهلية أم إسرائيلية أم إرهابية. يحاول البعض رسم الشرارة، أو التفكير بكل تلك الإرهاصات التي لا يمكن إلا أن تودي إلى مكان واحد، كيف يمكن أن نفكر بالمستقبل والحرب أمامنا، كيف يمكن أن نفكر بالعيش المشترك وكل يوم هنالك أفواه جديدة تحكي عن حالتها المستضعفة وعن مظلوميتها في هذه البلاد.

يغلي الشارع الحقيقي والافتراضي، لا فرصة للعيش معًا بعد الآن، جهنم تسارع لتغطي كل الأرض،  ينقل التلفاز الشاردة والواردة، لا يخفي شيئًا، تتبعه أدوات العالم الآخر لتنجز المهمة، سنمسحكم من هذه الأرض، سنصب عليكم جام غضبنا، سنقتلكم ونذبحكم، ولن نسامحكم، تُكبر الأصوات الافتراضية الأيدي الواقعية، تبرر لها أفعالها، يستأهلون ما حدث لهم، فليبقى كلٌ في منطقته تظلله جماعته.

ماذا نفعل، الكل يعرف أن الدخول إلى الحرب ليس بسهولة الخروج منها، قد يُشعل بعض الزعران البلد كلّه، لكن كم من الوقت والدم نحتاج لإطفائه. يضرب أحدهم شيخًا، يقطع الآخر طريقًا، وكل هؤلاء يُقال أنهم زعران بينما يختبأ الأوادم في البيت متوجسين الظلام.

أين الأوادم، أين الناس التي لا تقبل بأن تكون لعبة بيد السياسي، أين الناس التي لا تريد إلّا أن تبني وطنًا، لا تحتاج من الآخر أن تعرف إلى أي طائفةٍ ينتمي، يكفيها أنه يعيش معها في الوطن، أين الناس التي ترغب بالدولة، ترفض أن يكون السلاح الآلة مفضلة، ترفض أن تصبح حياتنا كلّها كلعبةٍ إلكترونية، ينتشر فيها المسلحون على الطرقات يمارسون هدفهم الوحيد من اللعبة وهو التخلّص من الآخر لا أكثر لكأنّ من يموتون مجرد حثالة يجب القضاء عليهم.

ما هذا، ما تعريف لبنان، هل هو وطن أو مزرعة أو مناطق أو كيانات، يحتفل الأطراف في سرّهم على الانتصار الذي حقّقوه على الطرف الآخر مهما كان، يقبلون أن يحرقوا بعضهم، يقبلون أن يعيشوا أو يتعايشوا مع  هذا الحلقات المتتالية من مسلسل الفتنة الطويل، يعزفون على وتر العيش المشترك الركيك، يتابعون المسلسل دون أن يقاطعوه، يرفضون إطفاء التلفاز يرفضون ممارسة الضغط على المنتجين كي يغيروا النهاية.

 

Advertisements