الشعب لا يريد شيئًا

Posted on مارس 10, 2013

1


في كلّ مرّة يتجدّد فيّ الخوف، أشعر أنا أحدًا يجرني إلى الجحيم، في المرّة الأخيرة التّي زرت فيها لبنان، كان البلد يشتعل نارًا، لثلاثة أيام أحسست أن الوطن فقد عقله، لم يعد يرقص على حافة الهاوية، بل رمى نفسه بالقعر. مرّة أخرى، أوضب أغراضي وأنزل، ومن حولي تحوم كافة الاحتمالات المشؤومة، تغمرني تلك التساؤلات التّي لم أجد لها من جواب بعد، لماذا رماني الله هناك، لماذا لم يخلقني في السويد أو في سويسرا، في البلاد التّي لم تعش يومًا حربا، أنا التّي أكره الحرب، وأمقت الخلاف، وأؤمن أنّ الدمّ لا ينبت غير الدم، خُلقت في البلاد التّي لا تعرف كيف تهدأ، تحاصرها الحرب من كافة الجهات، برًّا وبحرًّا، وإن لم تكن خارجية فمحلية. الخطف فيها يظلّ موضةً رائجة، الفساد تتقيأه الأفواه الرسمية، الكراهية والحقن لغة إعلامه وبعض أهله، لا شيء فيه يعدك بمستقبل، كأنّ أحدًا رمى عليه تعويذةً تأسره لألف عام.

هنا لا أتابع الأخبار، أعرف أن لا أمل بتسويةٍ أو حل، مليئةٌ هي بمواد مشبّعة بالكذب، المهم عندها أن تجد شيئًا يلهي الناس، تبيع نفسها للشيطان لقاء أن تحظى بالعيون المشاهدة. تعجّ تلك المساحات بألوانٍ متفرقة، تنبش الشيء من تحت سابع أرض، حتّى تُظهر للآخرين أنّهم مهدّدون من أيّ آخر. تكتب العنوان العريض، وما يحويه جسمه لا يكون غير هراء. تجذب العقول إلى الرأس، يقرأون الرأس فقط ليبنوا كلّ حياتهم وآرائهم عليه.

لم يشبع الموت بعد، لا يستعجله أحد، لم يحضر القرار السياسي أصلا، قرارٌ واحد لا أحد مستعجل لإقراره قد ينهي عذابات سوريا، قد يوقف دم العراق، قد يغير وجه المنطقة، قرار سياسي لا يولد إلّا بمخاض من الأجساد، لا ينزل إلى الأرض ما لم يلك لحم أهلها، الكل ينتظر القرار السياسي لإنهاء المعضلة، الدول الكبرى ما تزال متمترسةً بعنادها، وعدّاد الموتى تتحرك إبرته إلى الأعلى، لكن لا ضير من ذلك ما دام من يموت هم حطب الحرب وأهلها.

أتابع صفحةً على الفايسبوك تدّعي أنّها مع الثّورة في بلاد الشام، لا تعرف إلّا أن تكيل ما شاء من شتائم، لكلّ من ترى فيه رافضًا لحالتها، تبدأ بالمجوس وأولاد المتعة ولا تنتهي عند تمني الذبح للرؤوس التي أينعت وحان قطافها. الصفحة التي يتابعها الآلاف، ويُعجب باقتراحتها مشاهدوا العالم الافتراضي، يشدّون على الأيادي التي تكتب كلام الحقن والتفرقة. هل يعكس العالم الافتراضي عالمنا الحقيقي، أم أنّه صورة ما نخفيه عن ظاهرنا في باطن العالم.

اقرأ فقط ردود الأفعال على الأخبار التي تتناول إيران وحزب الله، لتعلم أنّ الحرب الطائفية لا بدّ قائمة. هذا الفهم المغلوط لمعتقدات الآخر، تصبح الشتيمة فيه أمرًا مقبولًا، حتّى حكم القتل لم يعد يشوبه أيّ امتعاض. عالمٌ ظلاميٌّ يحلّ علينا، عندما نقرأ تلك الكلمات الحاقدة التي لا يتوجس منها قائلها. لا عيب فيها في أن يكيل كلّ الناس بمكيال واحد، لا عيب في ربط الدم البريء برقبة شخصٍ واحد.

الشيعة يقتلون أهل السنة في سوريا، دم الأطفال برقبة حسن نصر الله، هكذا قال فضل شاكر، المغني التائب، أما أطفال العراق الشيعة فهؤلاء لا أحد يعرف عندنا من يزرع لهم متفجرة على قارعة طريق يلعبون فيها، متى يستنتج العرب القاتل، متى يعرفون أن المجرم واحد، وأن اليد التي تغتال الأمان هنا هي ذاتها تزرع الموت هناك. أميركا وإسرائيل لا يحركان ساكنا، هم فرحين لمنظر الدم الذي يجلل صور عالمنا، فرحين لأخبار القتل والذبح والتصفية، هذه الأمور برأيهم كفيلم من ابتكارهم لن ينتهي إلا بيد منقذة يمدونها هم دون غيرهم لانتشالنا من جحيم صنعوه لنا ونحن لم نخيب أبدا ظنهم فلبسناه دون تأخير.

تتعبني حرية الرأي، صار لزامًا عليك أن تسمع لما يقوله الآخر حتّى ولو كان مزيجًا من القرف. الأبواق التي لا تجلب إلا الخراب عليها أن تتوقف، تعبت من الكراهية، تعبت من العالم الأسود من المستقبل الذي ينبأنا بعصور الظلامية ومحاكم التفتيش والرؤوس المرفوعة على الأسنة.

Advertisements