عندما يُزرع الخوف

Posted on فبراير 20, 2013

2


تعوا ما ننتخب، لم يخطر ببالي أكثر من ذلك عندما سمعت بأنّ القانون الأرثوذكسي قد تصاعد دخانه المظلم في أرجاء البلاد، هذا القانون الذي يقول بأنّ على كلّ طائفةٍ أن تنتخب نوّابها أفزعني، كيف وصلنا إلى هذا المستوى من التقوقع على الذات، الإصرار المتبادل بين الأطراف لحماية أبناء الدم الواحد، كأنّ الدم يختلف بين مسلمٍ ومسيحي أو بين سني وشيعي. شيءٌ مقرف، يشعرك بالغثيان، لماذا لا تسير هذه البلاد إلى الأمام، لماذا لا نقدر على تخيل وطنٍ لا يُعرّف فيه أحدٌ بديانته، لا تكون هي المقياس ولا الأساس، بدلًا من أن نسير إلى الأمام فنذيب الأثلام المحفورة في قلوبنا نزيدها عمقًا، قدرنا ذاك أن نبقى غارقين في أوهام النحن والهم الذين يوّدون الاستيلاء على بقاع الأرض التي نسكنها.

لم يقم اللبنانيون، لم يهرع الأربعة ملايين إلى الشوارع صارخين بالبله الذي وصل إليه زعمائهم، اللبنانيون الحقيقيون المصنوعون من لحمٍ ودم، الساكنين البلاد، أولئك الذين يضخّ فيهم الزعيم أوهامه الموروثة من زمن الجهل حول الآتين من خلف خطوط التماس ليلوكوهم، أولئك اللبنانيون الذين يربّون أولادهم على السنيّ المارد الذي يتحسس سيفه ليحزّ به رؤوسهم، أولئك اللبنانيون الذين يؤمنون بأنّهم لو ذابوا مع محيطهم لاختفوا في ليلةٍ ظلماء من دون أن يسأل عنهم أحد. اللبنانيون العاديون الذين يربّون الخوف كما يربّون أبنائهم، الخوف ثمّ الخوف ولا شيء أكثر

ثلاثون عامًا أو ربّما مئة وهم يزرعون فينا ذاك الخوف، إن قبلتم بقانونٍ يشرّع الزواج المدني سينهار مجتمعكم المتصدّع أصلًا، ستنهار العائلة،وسيسيطر أتباع الشيطان على مرافق الدولة كأنّ هنالك شيطانٌ أخبث من تلك الشياطين المنتشرة في أرجاء الدولة، تعيث فسادًا وإرهابًا

يهولون بالحرب الأهلية وبالسلم الأهلي المزعزع وبالخضّات الأمنية وبفقدان هيبة الدولة إذا ما أقرّ أيّ مشروعٍ يزيل الماضي من طريق المستقبل الذي يسلكه اللبنانيون، هم ذاتهم يتكررون كلّ أربعة أعوام، إن اختلفوا فبالرسم دون الاسم، يتوارثون ويورثون، كأنّ البلاد ملكهم، يقررون عن الشعب الخائف من صورهم ما يروه صالحًا لهم وحدهم، والشعب كالأعمى يسير خلفهم، ليس قطيعًا ولا خروف، هذا الشعب قرر أن يعيش الحائط الحائط ولا يطلب أكثر من السترة، انخفضت طموحاته لهذه الدرجة، لم يعد يرغب بأكثر من السلم الأهلي الذي يمننه به الزعماء. ذلك الخوف المعشعش في داخلنا، ذلك الخوف الذي يجعلنا نصدّق ما نسمعه من ألسنةٍ تهوى لفظ السم، كأنّ الشعب لا يدري أنّه الورقة الرابحة من دونه لا تقوم دولة. الشعب اللبناني لا يدري أنّه إن نفض عنه رداء الزعماء وتخلّى عن كونه فردًا في عائلة ليصبح إنسانًا في وطن، لن يهمّه أولئك النابحون.

لو نتخلّص من ذاك الخوف، نحن اللبنانيون العاديون، الذين ينقصنا كثيرٌ من حسّ المواطنة، لو نتخلّص من تلك الرغبة في تحقيق مصالحنا ولو على حساب أيّ شيءٍ آخر، لو لم يكن نيل الوظيفة مفتاح المسؤول إلى ورقتنا، لو لم تكن الأفكار التي تجعل من أنفسنا وحدنا ملائكةً وباقي من في الأرض من الشياطين، لو لم يكن كلّ ذلك لما استحققنا مجرد التفكير بمثل هذا القانون المعيب

Advertisements