فقط في لبنان

Posted on فبراير 4, 2013

0


فقط في لبنان، تشكّل الطوائف بمناطقها دولًا قائمةً بحدّ ذاتها، لا يُعتبر أموات الآخرين أموات الوطن، كلّ طائفة تملك ما يكفيها من الأموات لتحتفل بهم على مدار العام.
فقط في لبنان يستطيع بوق الفتنة أن يظلّ شغّالًا على مرّ الأيام من دون أن يستفزّ هيبة الدولة، تقدّم له القنوات التلفزيونية ما يكفيه من الوقت للتعبير عن علّاته النفسية التّي لم يستطع تجاوزها يوم كان شابًّا يختبأ خلف متاريس أكياس الرمل ينتظر الأوامر من قائد الميلشيات.
فقط في لبنان يتحوّل القاتل والسارق والعميل إلى مسؤولٍ رفيع المستوى لا يستحي من الإطلال على العباد.
فقط في لبنان يمتلك الشعب ذاكرةً قصيرة المدى، ربّما بحجم ذاكرة السمكة، ينسى بشكلٍ رهيب من جوّعه وعنّفه ورمى عليه يمين الشقاء.
فقط في لبنان يرتعد البعض من قانون زواج مدني خوفًا من أن يدّمروا مجتمعًا بعاهات وحدهم اخترعوها وكبّروها لكنّهم لا يخافون من زواجٍ طائفي ينجب مخلوقاتٍ تقطع الطرقات ،تختبأ خلف الطائفية، وتلبس رداء الفساد لتحقيق ما ترغب من مآرب. لا تخاف من جيلٍ مريضٍ بأوبئة العصور الأولى من تحجّر ورجعية.
فقط في لبنان يتشاطر الناس على بعضهم باختراع الفزّاعات الملائمة، لدينا ما يكفي منها، فزّاعة المقاومة، فزّاعة النسبية، فزّاعة حقوق المرأة، فزّاعة الجنسية. يتسابقون لأخافة أنفسهم بما يطالب به الآخرون.
فقط في لبنان، تقع طائرةٌ من السماء ولا يُعرف السبب، ينهار مبنى وينسى الآخرون ما تبقّى من مبانٍ مضعضعة، يطوف البلد ويغرق ساكنيه وتذهب العاصفة لتعود بعد مدّة ويتكرر الشيء دون اختلاف بمشهدية الحدث، يموت الناس برصاص مجهول وفور ينهال عليهم التراب ينتسون دون رجعة إلّا في مناسبة.
فقط في لبنان يمكن لأيّ أحد منزعجٍ من جاره أن يقطع الطريق ويحرق الإطارات ويغرق البلاد المعتمدة على خشبة خلاص واحدة بكلمة واحدة.
فقط في لبنان يعيد التاريخ نفسه بهزليةٍ عجيبة مع إعادة إحياءٍ للممثلين من الروحية نفسها.
فقط في لبنان اعتاد الناس الحرب والصراع لدرجة الإدمان، لم تعد تعنيهم أمور المعيشة البسيطة، كلّ بيتٍ فيه حقّق اكتفائه الذاتي من ماءٍ وكهرباء، المهم أن يهدأ البال، الشعب فيه يتصرف بعقلانية أمام طيش سياسييه، مقتنعون أنّهم قدرٌ أو بلاء لا فرق، المهم أنّهم ينتظرون أمرًا إلهيًا ليزيحهم من الطريق.
فقط في لبنان تحدث ثورة افتراضية ويطالب المجتمع المدني افتراضيًا بحقوق حقيقية ويظنّ الجميع أنّها تتحقق وأنهم على قاب قوسين أو أدنى من الحصول عليها وبأنّهم بذلوا مجهودًا لا يُحتمل لتحقيقها وإذا ما ارتفع الغطاء عن أعينهم عرفوا أنّهم موجودون أيضًا افتراضيًا.
فقط في لبنان يصمت الجميع بناءًا على قرار سياسي، لا معنى لحقيقة ولا لعدل ولا لمساواة بقدر ما تخدم حقوق الطائفة وسلامتها من أيادي الآخرين.
فقط في لبنان يعيش المواطنون في حالة فوبيا دائمة من الآخر، تستوجب دكّ السلاح في كلّ جيب، فالمسيحي يخاف من المسلم من أن يرميه في البحر، والسنّي يخاف من المدّ الشيعي، والشيعي يخاف من أن يعود الزمن به إلى الحرمان.
فقط في لبنان تتمنى لو تختفي الأصوات من هذا العالم، لو يختفي السياسيون، لو يُرمى الجميع إلى البحر، لو تنتفي الطائفية، لو ولو وكلّها أحلامٌ تبقى تكبر في خاطرك دون أن تراها.
فقط في لبنان يوّرث الأهل أبنائهم أحلامًا بسيطة لم يملّوا بعد من تناقلها أبًا عن جد.

Advertisements