حقًا مات

Posted on يناير 8, 2013

0


لا تبكوا كثيرًا، لا تتفجعوا، من مات مات. لا ينتظر منكم شيئًا بعد الآن، لا شمعةً تنيرونها له ولا رداء. لا يتوقع منكم التفاتةً ولا تعليق. اليوم انتبهتم أنه كان هناك يحتل زاويةً من بصركم دون أن تشعروا ويوم غاب انجلى عنكم ذاك العماء، كان هنا، الرجل المعدم من كونه إنسان، الرجل المخيف الذي يجذب الأساطير والخرافة لتنسج من نفسها حكايا مرعبة.
اليوم ظهرت مظاهرنا الغبية، النظرة الدونية للفقير، لمن لم يجد يدًا تمتد إليه في المدينة الباردة، بموته استفاقت الضمائر البشرية، أصبح الظاهرة بعد أن كان مجرد نكرة، ربما لو نجا من العاصفة لأستمر وضعه على حاله، لبقي لا مرئيًا للدولة والناس سواء. لو لم يقتله البرد ما سرت في داخلنا تلك القشعريرة، شيءٌ يذكرنا بوجودنا الفارغ من أي معنى، يوم مات تذكرناه، يوم مات رأيناه جثّة ثقيلةً بعد أن كان ظلًّا في الحياة.
المتشرّد مات، أنا لم أعرفه، ولم أره يومًا، لكنني رأيت الكثير من الفقراء. أنا لم أره يومًا، ربما لو رأيته لكنت لذت بالفرار، لم أكن لأفكر بالمساعدة، ربما ظننته صورةً عن وحشٍ أو قاتلٍ رهيب. اليوم وقد مات عاد إنسانًا بمعناه الحقيقي، اليوم وقد مات يجدر بنا أن نتعلّم عدم انتظار الموت لنصنع الحياة.

20130108-120158.jpg

Advertisements