لن أفدي أحد

Posted on يناير 7, 2013

0


mo3taqaleenأتعرف ماذا علّمتني الثورة، علّمتني أن أكون غارقًا في أنانيتي إلى حدّ الجنون. تعلمت من الثورة أن لا أفدي أحد، لا دمًا ولا روح، تلك الخزعبلات التّي تصوّر لنا الرئيس كأيقونةً مقدّسة، تزيد من غلاء روحه على حساب روح الإنسان العادي، تلك الثورة التي تجعل من الأموات رقمًا لا أجساد كانت تسكنها أرواحٌ تضجّ بالحياة، أنا مذ رأيت الثورة على حقيقتها قررت أن أعيش من أجل ذاتي لا من أجل أيّ أحدٍ آخر، كلّ من ضحوا على مذبحها انطوت صفحتهم من دون أسى إلّا من القريب، كلّ من حاولوا تعبيد طريقها بقطعٍ من لحمهم  لاكتهم الثورة بلا رحمة.

أتعرف ما المؤسف في الأمر، بينما أنت تموت، ويكتب عليك الموت غصبًا، ويحرقك لهيب الحرب وانعدام الأمان هنالك من يعيش معك على ذات الكوكب  ويكون أكبر همّه أن يصبغ بشرته بشعاع الشمس. وبينما أنت تبكي على رغيف خبزٍ تكون اليد الخفية التي تدفع بك إلى الجحيم ترقص على موائد عامرة، وبينما  ترمي بأطفالك إلى براثن الجهل والتخلّف هنالك من يدفع الملايين على أشياء لا طعم لها في حياتنا البشرية.

قررت منذ زمنٍ أن لا أفدي أحد، حتّى الوطن لا يستحقّ منك دفئًا تفرغه من جسدك لتودعه باطن الأرض، كلّ الأرواح التّي ماتت لم تفلح في نفخ روحٍ سليمةٍ فيه، مازال على حاله منذ مئات السنين، مشرذمًا مقسّمًا مهتوكًا لا ينجب سوى الفضيحة والعار. صدّقني لا شيء يستحق، عندما يصبح  خبر الستين ألف قتيل كجنازةٍ عابرةٍ لعجوزٍ انتظر الجميع موته علينا أن نراجع قواعد الفناء والبقاء. وعندما يتحوّل الموت إلى ممارسةٍ يومية، عادة لا أكثر، لا يثير أيّ نقمةٍ أو رغبةٍ بالقيامة علينا أن نقف لنتأمل المعايير التّي فُرضت علينا كقدرٍ لا مفر منه.

بالأمس أطلّ بشار الأسد، كان أشبه بكائنٍ فضائي، انا أحسست بذلك، انتظر البعض منه خطاب الحل، لكن ما جاء به لم يُبنَ على وقائع أرضية بقدر ما بني على أحداثٍ مريخيّة. آلافٌ من اللاجئين السوريين توزّعوا على البلاد المحيطة ببلادهم، يحلمون بالعودة ككلّ مهجّر، يرغبون بقتل الكابوس لا أكثر، يريدون أن تكون هذه الأحداث غمامة سوداء من بعدها سيأتي المطر لتنبت الأرض من جديد. يواجهون ضروب العنصرية والنظرات العدائية اتّجاه الغريب، لاجئون فرّوا من الموت لا أكثر، يريدون الأمان، لا يبحثون عن وطن أو عن أرضٍ جديدة ، لن يبقوا في البلاد الغريبة ولو دقيقة بعد أن ينقشع الظلام قليلا.

بالأمس أطل تحدّث عن المؤامرة اتجاه الأرض لكنه لم يتحدّث عن المؤامرة اتجاه اللاجئين، لم يتحدث عن ما يلمّ بالفتيات السوريات وتطاول الغريب عليهن كأنّهن شيءٌ مباح، لم يتحدّث عن العوز الذي دفع البعض بالالتزام بفتوى تجيز المناكحة كنوعٍ من الجهاد ضدّ النظام أو طمعًا بما يأتيه من مالٍ يشتري به رغيف خبزٍ مجبول بالدماء. لم ينشغل العالم العربي بأفواج الأموات من السوريين، لم ينشغل بالمجازر ولا بالإبادات، ولا بالتصفية العرقية بقدر ما انشغل بالبنات السوريات، كيف يسترون عليهم وهم في العراء خارج بلادهم. من يسمع عن هذه الحمية يظن أن الفتيات عاريات في مخيمات اللاجئين، تصدر الفتاوى التي تتعلق بهم كأنهم متاع، زواج القاصرات من أجل إسقاط النظام، زواج لساعة من أجل مساعدة المجاهدين ورفع معنوياتهم، زواج يحوّل الفتاة إلى ماكينةٍ لا أكثر، للدخول والخروج لا أكثر.

ليس الأمر مجرد حرب، هي حربٌ قذرة، على كافة الأصعدة. لن ينتج عنها انتصارٌ أبدًا، لا للثورة ولا للنظام. حربٌ استغلها الجميع لأغراضه الخاصّة، طغت عليها الأنانية القصوى، أنا أو لا أحد، احترقت البلاد، بنيران شتّى، الأفكار الملوّثة والأفعال الغريبة صارت ترقى رواجًا لا معارضة، لم يعد أحدٌ يستغرب قطع الرأس أو التنكيل، لم يعد أحدٌ يعارض مناكحةً ساعيةً كنوعٍ من دعارةٍ شرعية. كلّ ما يحدث، الموت،  والنهب، ورغيف الخبز والبحث عن الدفء في أرض الصقيع، كلّ ما يحدث لا يخضع لمعايير إنسانية بقدر ما يتّبع قواعد اللعب بين الدول. وعندما تتفق تلك الدول، تظهر الحقيقة كعين الشمس، يظهر الدمار بشعًا، يكشف المجتمع عن وجهه القبيح الذي تحوّل إليه، والكل يعود إلى بيته لينعم بحياةٍ هانئة إلّا أصحاب الأرض المحروقة يكملون تسديد ثمن ألعاب الآخرين.

Advertisements