غزّة، بلاد الصبر

Posted on نوفمبر 21, 2012

0


لم تعلن التهدئة بعد، مزيدٌ من الوقت لإسرائيل لتمعن في همجيتها المعمى عنها من قبل العالم أجمع، كيف يمكن لإنسانٍ يحمل في يده سلطة القرار أن لا يتأثر بصور الأطفال الهامدين الملطخين بدمهم الصامتين في سكون أبدي، كيف يمكن أن لا يقشعر بدنه، وتمتلكه رغبةٌ عارمةٌ في استئصال كيانٍ غاصبٍ يجاهر بالمخادعة، يقتل ويصرخ بحقّه في الدفاع عن نفسه. لا أدري، إسرائيل قامت منذ ستين عامًا ونحن هنا منذ آلاف الأعوام، هي تبدو كأنّها صاحبة الأرض ونحن الزائرون، تقف معها الدول عربيةً وأجنبية، تهابها، كأنّ فيها سرًّا، لا تقبل للصواريخ أن تمسّ مدنها، من يعيشون على ظهر الأرض المسلوبة يهلع العالم من صورهم التّي تظهر بكائهم وانهياراتهم العصبية، أمّا الأطفال الصغار الرضّع الذين لم ينفطموا بعد عن أثداء أمهاتهم، والمتفحمين من أثر صاروخٍ أراد أن يقصف أهدافًا فإذا ببنكه للمعلومات يحوي أجسادًا طريّة وأحلام طفولةٍ وأمالًا لناسٍ ينتظرون الأفضل دومًا لا يشملهم العالم بمناسباته وحقوقه الخرقاء.

لا أريد أن أتكلّم بعاطفةٍ عن غزّة، كلّ الألم الذي اعتصرني منذ بدأ العدوان عليها لا ينفع شيئًا، لا يحتاج من هو تحت الحرب إلى دعمٍ معنويٍ من أشخاصٍ بعيدين عن الخطر، جالسين في بيوتهم آمنين من غاراتٍ قاتلةٍ وصواريخ زكيّة. لا يريد من هو تحت الحرب دموعنا البلهاء التي تفضح عجزنا وتعرّينا أمام الإنسانية، إن لم يكن لدينا ما نقدّمه فلنصمت لا أكثر من ذلك.

الموت صعبٌ على الأحياء، تشعر بثقلٍ يلفظه الجسد الميت لتقدر روحه على الفكاك، يجتاحك الثقل لدرجةٍ تعجز فيها عن الحراك، كلّ شيءٍ فقد قيمته حتّى الحياة بذاتها تخلّت عن إضافاتها وأصرّت أن تقف متمردةً على حدود تلك القطعة الصامدة. الناس هنالك يحملون من الصبر الكثير، الصبر الذي يمكنّ الأم من دفن أشلاء أطفالها، والأب الذي يحمل جثة طفله على كتفه يقدّمه قربانًا مباشرًا للسماء. غزّة مدينة الصبر العالمي، لا يقف عند حدودها شيء إلّا وهزمته بإرادةٍ تفزع من حولها.

طوال سبعة أيام ونحن نتنفس أخبار العدوان على الغزّة، نتأمل بخذلان وضعفٍ غريبٍ يصرّ على التحكّم بسياساتنا. لا موقف صارم يدمغ التعامل مع قضيةٍ هي صلب الحل في أزمات الشرق العويصة. من أين نأتي بهكذا ساسة، مغطسون بالذل والخوف، ذئابٌ على شعوبهم نعاجٌ في يد إسرائيل. من أين نأتي بالألسن التّي لا تلهج إلّا بالضعف والخنوع، دومًا تملك الإرادة لكسر إرادة الشعوب، تظن أنّ ما نحتاجه هو الخبز والدواء، لكنّها لم تفطن بعد إلّا أنّ كرامتنا غدت إكسير الحياة، ليس المطلوب من من يرون في أنفسهم المسؤولين عن الرعية سوى موقفٍ يتلائم مع روح المقاومة اتّجاه المحتل، وليس دموع تماسيحٍ تذرف على الشهداء وتغرق الأحياء، المطلوب منهم لم يعد يقتصر على المعنويات، فليتحرك ذلك الضمير النائم، فليُبتعث من موته الذي طال.

رغم بسالة المقاومة وعدم توقف صواريخها عن الانهمار طوال أيام العدوان في ظل القصف الإسرائيلي الهائل الذي حصد كلّ شيء تتشاطر بعض الأفواه في التقليل من أهمية هذه الإنجازات، كأنّ لسانها يقدّم شيئًا أفضل من ذلك. ليت تلك الألسن التّي ترى في الأرض ترفًا ولم تمتلك يومًا روحًا وطنية أو انتماءًا لغير المال والمصالح، ليتها تتوقف وتعلم أن الوطن هو أغلى ما قد يمتلكه الإنسان.

البعض يمتلأ شفقةً على جسد العميل المسحول على الأرض، ويطالب بمحاكمة عادلةٍ  لمن دلّ الطائرات على أهدافها دون أن يعير اهتمامًا لحجم القتل والدمار الذي يلحقه، امتلأ البعض حزنًا على العميل الذي باع لحم الأطفال والشباب بحفنةٍ من مال وربّما بعض الأمان، وطالب بمنح العميل فرصةً للدفاع عن نفسه، لكن لماذا لم يمنح العميل فرصةً ولو صغيرةً لإخلاء الأطفال من المكان الذي يقرّر بأنّه الهدف القادم، لماذا لم ينتظر الطفل الصغير ليستيقظ من غفوةٍ أرادها قصيرة وإذ بذاك الكائن يعاجله بصاروخٍ يقتل أمّه وأباه وحياةً له لم يبدأها بعد.

غزّة وسوريا، معضلة النقاش الذي لا ينتهي. كأنّ في الحديث عن واحدةٍ دون الأخرى ما ينتقص من حجم الموت في البلاد. المعضلة هي أن من يوصل السلاح للمقاومين في غزّة هو النظام، والصواريخ التّي أطلقت على الكيان الغاصب مرّت في طريقٍ طويلةٍ تعاونت عليها دولٌ عديدة لا تؤيد الثورة في سوريا، والدول التي تؤيد الثورة في سوريا وتدعم الاقتتال بين الجناحين ترفض رفضًا قاطعًا تسليح المقاومة  الفلسطينية وتصرّ على الخذلان في التعامل مع القضية الفلسطينية. الموت مرفوضٌ أينما كان، والقتل لا يعيد الموتى ولا يمنح الفرص للأحياء، الموت يسلب الحياة عن أيّ طرفٍ صدر. الصراع في سوريا، صراعٌ بين أطراف البلد الواحد، تتبادل فيه الجماعات دور الضحية والجلاد، الموت هناك يأخذ ناسًا سوريين بأيدٍ سورية وبسلاحٍ سوريٍ أو عربي لا فرق المهم أنّه سلاح. الموت في غزّة حربٌ بين احتلالٍ وشعبٍ يقاوم الاحتلال، الموت في غزّة ليس حربًا أهلية بين مصالح وأيادٍ لا تختلف عن غيرها وترغب في الوصول إلى الحكم ولو سادت البلاد ما يشبه مظاهر التطهير على الهوية.

الموت في غزّة شهادةٌ مؤكدة وفي سوريا الموت عنفٌ متبادلٌ بين أطرافٍ متنازعة، الموت في غزّة شهيد وفي سوريا ربّما هو ضحية.

Advertisements