لعنة اللعن

Posted on نوفمبر 12, 2012

1


(1)

فلنكن واضحين، ليس كلّ من مات برصاصةٍ كان شهيدًا، ليس كلّ من انتمى إلى جماعةٍ صار دمه مقدسّا يستحق أن تهدر شلالات من دم غيره حتّى تستكين روحه. الشهيد لا يصنع الموت، الشهيد لا يكون شاهدًا على مذابح ستجري باسمه، يرفض أن يتحوّل إلى قصاصٍ للأحياء. الشهيد لا يعرف الحقد ولا الكراهية، يمنح نفسه للحياة دون منّة، يحارب يقاتل يدافع اتّجاه عدوٍ يعرفه تمامًا، أذيته كانت مباشرةً عليه، لا يبدأ عداوةً ولا ينطلق هائجًا لا يعرف أيّ طريقٍ يسلك. الشهيد يرى بوضوحٍ ما يريده، حياته أمامه سماءٌ صافية، روحه نقيّة لا تغدر. الشهيد يعرف نهجه وطريقه، يعرف من يحارب، ليس من يخالفه برأيّ عدوّه، لا يبعبع ولا يحدث بموته شقاق، الشهيد يجمع، الشهيد يضم في جسده وطنًا ضائع. الشهيد لا يعرف الحقد، الشهيد يرفض المتاجرة بدمائه على يد من بقي من أحياء، الشهيد لا يريد أن يكون ثمنًا، لا يدفع روحه لقاء تحقيق مصالح خاصّة، الشهيد يمنح أغلى ما لديه من أجل هدفٍ سامٍ وليس للغرق في دهاليز من القتل وردّ القتل الذي لا ينتهي.

(2)

ألفٌ وأربعمئة عامٍ تزخّ كلّ ما تحويه علينا، يريد المسلمون للتاريخ أن يستيقظ، لم يشبعوا من الدمّ المسفوك بعد، مزيدٌ من استباحة الأرواح وصناعة الموت التّي لم يتقنوا شيئًا سواها. يوم أراد المسلمون أن يستيقظوا أفاقوا كماردٍ أهوج، لا يعرف أن يحاجج ويناقش، يسلّط سيفه على الجميع، حتّى نفسه لا تنجو من شرّه، يتّهم الآخر بالكراهية وهو وحده من اخترعها، لم يجرب يومًا أن يحبّ ما لديه حتّى يحبّه الآخرون. من أين جاء كلّ هذا اللعن، يصعد الواحد منهم على المنبر، يطلق كلّ ما في جعبته من ألفاظ مسيئةٍ ومخزية، لا شيء يقف أمامه، لا احترام لبشر ولا حساب  لتحضرٍ وتقدّم. كأنّ كلّ شيءٍ عاد إلى الزمن القديم، حيث اللعن على المنابر كان موضةً رائجة، فليلعن الله هذا وذاك، لماذا؟ لأنّه لا يقبل بأفكارنا، لأنّه يخالف ما نعتقد به. من أين جاء كلّ هذا الجهل من بعد الثورة التي كانت مجرد فورةٍ في الأصقاع. من أين جاء هذا الكلام الذي لا يقبله بشريٌ يعيش في القرن الواحد والعشرين. يا رب، كلّ تلك الألسن التّي تلهج بالحقد، لماذا لا تخرسها، فتصيبها لعنة الصمت. من أين جاء كلّ هذا الحقد، الذي حوّل كلّ شيءٍ إلى مقدّس يُمنع التطاول عليه.

(3)

لن يحدث شيء لو تصرفت الدولة بحزم، لن يحدث شيء لو قررت إسكات بوق الفتنة وقطّبت هذا الفم المليء بالحقد والكراهية، لن يحدث شيء لو قررت أن تحاسب من يعمل على جرّ البلد إلى جحيم مشتعل. لن يحدث شيء إذا ما ضرب الجيش بيدٍ من حديد، وأوقف المهزلة المطلقة، وقرّر أن يكون ديكتاتوريًا ليومٍ واحد ويمنع جر الوطن إلى انشقاقٍ لا يريده أحد إلّا المجانين وأصحاب المصالح ومن يملكون بلادًا أخرى يغادرون إليها. لن يحدث شيء لو تصرفت الدولة بحزمٍ ولو لمرةٍ واحدة ومنعت فقاعة الهواء من أن تكبر أكثر من حدّها اللازم. المنبر الكريه يجب أن يغلق، اللسان الذي لا يلفظ غير السم يجب أن يطفأ، الكلام الذي يفرّق يجب أن يدفن من غير رجعة، هذا هو المطلوب الآن، أن نستيقظ قبل أن تستيقظ الفتنة.

Advertisements