موت المدن

Posted on نوفمبر 9, 2012

0


لا تحتاج المدينة لكثيرٍ من الوقت كي تخمد أنفاسها. تنزوي  بعيدًا عن أنظارٍ كانت ترى فيها المكان المُشتهى. تراقب ما يفعله بها من كانوا منذ زمنٍ قريبٍ أبنائها. المدينة تمرض وتحتضر وتموت، تمامًا كأيّ بشري. يصعب عليها النهوض بعد تلقيها ضربة في الصميم. يصعب عليها أن تبقى محايدة. تتجلل بالسواد، تفكّر دومًا بالانتقام، تزرع الحقد نصب عينيها، وتتخلى سريعًا عن حديث الحضارات والعيش المشترك والزمن الجميل. المدينة تنسى تجليات الصور القديمة، تنسى نزهةً لعاشقين في أزقتها العتيقة، تتمرد على ذكرياتها، تصبح ضحكة الماضي قهقهةً من شياطين العقل عليها. لا ترغب المدينة في أن تظلّ بعيدة عن مجرى الأحداث، تنتكس كانتكاسة أبنائها، تستعير وجهًا يجلّله الحزن لترتديه، لا يهمّها رأي الآخرين فيها، هي الآن تمارس قناعتها في التنقّل حرّةً بين فصول الأيام. حزينةٌ كالشتاء، موعودةٌ بالأمل إذا ما دقّ ناقوس الربيع، عطشى للتجدّد مع ترنيمة الصيف، كئيبةٌ هي في خضم الخريف. تموت المدن، لا أحد يسأل عن جثّتها التّي تعفنت في العراء، لا أحد يملك الرغبة لموراتها تحت التراب، تسقط المدينة  قتيلةً ممرغة، تسقط وفي وقوعها يخمد كلّ شيء لا يشعر الآخرون بموتها، لا يشعرون بقلبها وقد توقف عن الخفقان، لا يرون الرصاصة الطائشة التّي شقّت صدرها، كلّ ما يشعرون به هو ارتعاشةٌ خفيفة تسري في أجسادهم تنبأهم أنّ الأمور لا تسير على ما يرام.

في جو المدينة يعبق الألم، يثقل الهواء حتّى يغدو تنفسّه أصعب على الأنوف من تنشقّ الغبار، يمتلأ برائحة الموت المبطن والظاهر، تصبح المدينة رسمًا كبيرًا معلقًا على جدار الزمن مزينًا بشارةٍ سوداء، تحوي كلّ من قتلوا وحملوا إلى الأجداث، وتحوي مشاريع الجثث القادمة ومن يلوح الموت صبحًا ومساءً أمام داره لا ينتظر أكثر من إشارةٍ تعطيه صلاحية الانقضاض. المدينة كجثّة كبيرةٍ ضخمة، تتسع لشهوات القتل والذبح والفتك والتقسيم واختراع الشهداء. المدينة كقبرٍ واسعٍ يحوي القاتل والقتيل والمجرم والبريء، ومن يقتل ومن يبرّر القتل ومن يحاكم فينزل الموت حكمًا أبديًا على قاطنيها.

لا شيء في المدينة غير الموت، لا شيء غير الجثث التّي تطفو على سطحها، لا شيء غير توابيت متجولةٍ تنتظر حفرة يمنّها عليها حفّار القبور. الموت لا أكثر، يجرف طفلًا، حلمًا، أملًا ، لا يهم فالموت هو كلّ ما تحويه. لا أمل في نهاية النفق الذي يمتد من بوابة المدينة إلى خارجها، لا جسر يعبر عليه الأموات خفافًا فلا ثقل لجثثهم ترسو على أرضها. الموت كلّ ما تلفظه المدينة الآن، توقف الزمن عن المرور فيها، لا شيء يشي بالحياة، لا  ابتسامةٌ تفتر عن فاهٍ صغيرٍ، و لا طابةٌ تتدحرج في حاراتها الضيقة تحضن ضحكاتٍ لمستقبلٍ كان حيًّا واليوم لفّته أسمال الحقد والكراهية.

المدن تموت كما البشر، تموت بالحقد والكراهية والدمار، تموت برغبات مستميتةً للاستيلاء عليها يُدفع ثمنها أرواحٌ وأشلاءٌ بريئة، المدن تموت وقد يأخذ الأمر كثيرًا من الوقت لإعادة إحيائها، ستبقى تلك الجروح القاتلة ندبات تحفر في ماضيها وتقضّ مستقبل شعبها إذا ما وجد ذات يوم في زمنٍ قادم. المدن تموت، لا تظهر صورها في عالمنا الافتراضي هامدة مطفئة العينين مصفرّة الوجه، لا تملأ حساباتنا الافتراضية بجسدها الساكن سكونه الأخير، تموت المدن بصمت، لا أحد يعرف هل قتلها الشبّيح أم الثائر الذي تجلّل بالدم، تموت المدن بصمت ولا أحد يعرف بموتها إلّا بعد أن تصبح مجرد هيكلٍ فارغٍ من الحياة لا أكثر.

Advertisements