فلنأكل الصنم

Posted on نوفمبر 6, 2012

1


لم يزعجني كثيرًا كلام محمود عبّاس، لماذا أنزعج وأنا اعرف أن القدس تأبى أن تتحرر على أيادٍ لا تؤمن بالدمّ والمقاومة كحل، ترتعد من الإسرائيلي إذا ما أشار لها بإصبعه، ربّما هم من قصدتهم تسيبي ليفني في حديثها عن رجال عرب وقعوا تحت إغراء جسدها الفاتن فقذفوا أسرار البلاد إلى كيانها واختبئوا في عتمة أنفسهم يخافون فضيحةً مجلجلة تهزّ انعكاس صورتهم في المرآة لا أكثر، وتكشف لهم أنّهم فقاعات هواءٍ سيأتي يومٌ ولو طال ليختفوا من الكون بأسره، لتنطفأ أمجادهم الغبية وبطولاتهم الدونكيشوتية. لم يزعجني محمود عبّاس بقدر ما أزعجني أنّ موضوع تصريحاته التي تهدم حقًا لملايين اللاجئين في العالم، وتذيب وطنًا من الوجود كأنّه غير موجود، بقدر ما أزعجني أنّ الموضوع وضع في مقام المناقشة، ظهر لكلامه مؤيدون ومعارضون، بعضهم رأى في حديثه رغبةً في تحريك المفاوضات للحصول على وطنٍ ولو بالاسم يُدعى فلسطين، بعضهم برّر للرجل، بالتأكيد لم يقصد كذا، بعضهم فضّل اللجوء إلى منطق المؤامرة المغري للشعوب العربية، فصاح إنّها مؤامرة تستهدف الرئيس محمود عبّاس كلامه حرّف من قبل القناة الإسرائيلية، لم يقصد تنازلًا لم يتخلَ عن شيء، الرجل فلسطيني وهو في مقابلة حصرية مع قناةٍ من المفروض أنّها تابعةٌ لبلادٍ أغرقت شعبه بعذابات وآلامٍ ومعاناةٍ لا تنتهي.

المزعج في الأمر تلك الأصوات التّي تدافع، تغرق في الأمور، تحوّل الرجل المسؤول إلى مقدّسٍ لا يجوز مسّه. المزعج في الأمر أنّ بعض البشر أسدلوا ستارةً سميكةً على أعينهم، يرفضون رؤية الحقيقة، يرفضون وجود الخطأ من أساسه، إذا آمنوا بشيءٍ أصبح ذاك الشيء منزهًا عن الفاحشة. كأنّ في ارتكابه للخطأ مسًّا بمقامه الألوهي الذي نصّبناه به.

ليس محمود عبّاس هو الأول بين العرب الذي يقرّر تحويل نفسه إلى أيقونةٍ منزهة، أو من يحوّله أتباعه إلى خطٍ أحمر لا يجوز المساس به ومجرد التفكير بالتعرّض له يحوّل صاحب الاعتراض إلى فريسةٍ سهلة بيد أنصاره. كثيرون هم على الدرب ذاته رؤساءٌ وملوكُ وزعاماتٌ ورجال سياسة  ومثقفين وكلّ من يحمل في داخله فكرة. كلّ ما يقولونه يعدّ منزلًا لا يجوز مخالفته أو الردّ عليه.

لماذا أصبحنا هكذا، لماذا نصرّ على أن نخلق أصنامًا نعبدها، لماذا لا نقف مع الحقّ أينما كان، فنعترف حتّى لو كان الأمر يمثّل معتقدًا ورمزًا وإيمانًا، لماذا لا نجاهر بأنّ كلام محمود عباس يعدّ خيانةً عظمى وجب معها إسقاط صفة تمثيله الشعب الفلسطيني، لماذا نبرّر الأخطاء وننزّه، فلنعترف أنّ الثّورة في سوريا أضحت دمويةً وفقدت إنسانيتها، فلنعترف بالقتل والذبح والإرهاب، فلنعترف بدرك الحيوانية الذي وصلنا إليه، فلنعترف بالخطأ، فلنعترف فلا نرهق أنفسنا بالدفاع عن أشياء نبذل جهدًا مضاعفًا لكي نقنع أنفسنا قبل الآخرين بسلامتها.

Advertisements