عزازيل

Posted on نوفمبر 4, 2012

0


“عزازيل” ليوسف زيدان، فازت الرواية البارحة بجائزة “أنوبي” البريطانية باعتبارها أفضل كتابٍ مترجمٍ إلى الإنكليزية بناءً على استفتاءٍ شمل ثلاثة آلاف قارئ من خمسين دولة. والرواية الصادرة بطبعتها الثانية عشر عن دار الشروق ماتزال تحصد المزيد من الإعجاب. تحكي قصّة راهبٍ يُدعى هيبا في القرن الخامس للميلاد، في زمن الصراعات بين الكنائس الكبرى حول ركائز العقيدة المسيحية، نعيش في الصراع الكنسي وفي الصراع الداخلي للراهب الطبيب والشاعر الباحث عن حقيقة الدين وسكينة النفس.

كأنّ الزمن يعيد نفسه مع اختلافٍ فقط فيمن يؤدّي دور البطولة ويكتب أحداث القصّة. هياج العوام هو دومًا نفسه، ذاك الذي يدفع الناس إلى تقطيع لحمٍ بشري إربًا إربًا، تلك الكراهية التّي تغذيها كلمات غير مسؤولة تهدف إلى السيطرة والاستقواء والحفاظ على المركز والمركزية. أسهل ما في الأمر أن ترمي بحكم الزندقة والكفر على الآخرين، أسهل ما في الأمر أن تخلق عدوًّا للناس، تكبّره في عقولهم ليغدو وحشًا، وجوده فقط بين ظهرانيهم يهدّد بقائهم.

في هذا العالم الذي لم يرتوِ بعد من الدماء، لا يبحث عن الرب إلّا بحدّ السيف، لا يبحث عن الربّ إلّا بالكره والحقد والاضطهاد، هذا العالم الذي ربّه القتل ومعبوده نصل السكين الذي يحزّ به رقاب من يخالفه في هواه. يهوى موسيقى الموت التّي صارت نهج حياته. آلاف من الأعوام مرّت والقتل هو المشترك بينها، صراعاتٌ لا تنتهي يخلقها دعاة الإيمان ليشغلوا بها البشر عن التفكير. يجرجرون العقول الهائجة خلفهم لكلامٍ قاله هذا وكتابٍ كتبه ذاك وفعلٍ تصرف به آخر، يحملون دفتر الحساب في يدٍ وفي الآخرى مفاتيح الجنّة والنار، يرسلون من يشاؤون بأحكامهم المقدّسة غير القابلة للدحض، زنديقٌ كافرٌ مهرطقٌ هو الآخر وهم وحدهم كلمة الرب.

التاريخ يعيد نفسه، وفرق الموت ماتزال توّزع أحكامها على الناس، فرق الموت المتشدّدة التي تسيّر البشر الأتباع خلفها مسلوبي الاختيار، تودّ لو تقتل كلّ من يخالفها، توّد لو تقطع رأس كلّ من ينتقدها، فرق الموت التّي تكفّر أي شيء لمجرد أنّه لا يتوافق وأحكامها ما تزال ترزح على صدورنا كصخور النيل البيضاء. ربّما انتهت عصورٌ ظلاميةٌ في ديانة لكنّها اليوم تشرّع أبوابها الداكنة لديانةٌ أخرى وليس هنالك من فرق.

Advertisements