جورج عبد الله… الوطن إن سقط

Posted on نوفمبر 3, 2012

0


لم أعرف الرجل منذ زمنٍ بعيد، اسمه جورج عبد الله، خلف قضبان الديموقراطية الفرنسية منذ ما يقارب الثلاثين عام، هو لبناني، ولبنانيته صارت ربّما عبئًا على دولته التّي مهما طال الزمن أو قصر يظلّ آخر ما تهتم له هو المواطن الساكن أرضها. ثلاثون عامًا والأمّ الحنون تفيض بحبّها المسموم، تقتله بانبطاحها أمام الرغبات الأميركية والإسرائيلية للإبقاء على الرجل مطويًا خلف أستار التلكؤ والتأجيل والمراهنة على استمرار الصمت. لم أعرفه منذ زمنٍ بعيد، لم يخبرني عنه أحد، لم يكتب عنه كتاب التاريخ كمقاومٍ ومناضل حتّى آخر نفس، تاريخنا فضّل أن يحشو نفسه بأمراء وأبطال وهميين، يتغنى باستقلال اسمي وكلمته الحرّة للمناداة بأبنائه ماتزال مسجونةً من قبل الاستعمار أوأكثر. مسجونٌ لأنّه رجلٌ خطير، لم يبدّل أفكاره ولم يرتدي ثوب المصافحة والمهادنة، مسجونٌ لأنّه لم يندم على ما اقترفه من الزود عن بلاده، لم يخجل من مقاومته لجيشٍ محتل، مسجونٌ لأنّه رفض أن يبصم على أكبر عملية تزوير تشهدها الإنسانية وأن يصدّق كلامٍ نذلٍ منح ما لا يملكه لناسٍ صدّقوا أن الأرض صارت ملكهم. ثلاثون عامًا والدولة اللبنانية ما تزال خانعةً صامتة، لا تعليق ولا مطالبة ولا ضغطٌ ولا مقاطعة ولا حتّى ذكرٌ لأحرفٍ مفردةٍ تكوّن اسم الرجل لو أصبحت موصولة. قبل أن يكون جورج عبد الله مقاومًا وبطلًا في نظر البعض وإرهابيًا في عيون الآخرين، هو مواطنٌ لبنانيٌ طوى الوطن صفحته بنفس الاستلشاق الذي يتعامل به مع كافة ملفاته. لم يبذل العناء المطلوب، لم يستفر أو يُستفر من أن مواطنًا لبنانيًا ينام ظلمًا منذ ثلاثين عامًا خارج بلاده، طوى الصفحة ومضى، لا روح لديه ليستشعر مع شعبه، لا شيء يربط بين المواطن والدولة ليشعر الوطن بسوء ما يقترفه.

فليهز أحدٌ هذا البلد علّه ينتفض فينفض عنه هذا النفس من اللامبالاة والتضحية بسكّانه على طبقٍ من قشٍّ لا أكثر. يرمينا الوطن إلى الهلاك ولا يسأل، كأنّه وحشٌ يتغذّى من ضحاياه ولا يكبر إلّا بلحم أبنائه. يرمينا الوطن لا يسأل، من يموت على ظهره رقمٌ لا أكثر يضمحّل من الوجود كأنّه لم يُخلق أساسًا يستلذ لبنان بإشعارنا بدونيتنا، يستلذ هذا البلد بحزّ رقاب من يسكن أرضه، كأنّ في الأمر عهد عليه قطعه على نفسه أن لا يُبقي أحدًا مرتاحًا لا جسدًا ينبض بالحياة ولا جثّة هامدة.

مخطوفون بالآلاف لا يُعرف مصيرهم ولا تُفتح ملفاتهم ولا تعود أجسادهم إلى أحضانٍ تنتظرهم، مخطوفون صاروا صورةً معلّقةً على حائط أو ذكرى عابرة في خبرٍ يمر على عجلٍ. مخطوفون لبنانيون في سوريا صاروا كالقافلة الهائمة في صحراء التجاذبات بين الدول، ناسٌ أبرياء حمّلوا أثمانُا لا يملكون دفعها ولا أحد يسأل، يتناسون يتناسون وإذا خلت الساحة من خبرٍ أوقظت أخبارهم لتحمية الوضع لا أكثر. وجورج عبد الله سجينٌ منذ ثلاثين عام في السجون الفرنسية لدولة الثورة التّي تؤمن بالحرية والعدالة والمساواة، سقطت هذه الدولة في فخّ شعاراتها الرنّانة أمام ظل الرجل الذّي أضحى آخر سجناء السياسة والرأي في أوروبا.

Advertisements