أحتاج لأن أكون مجرد إنسان

Posted on أكتوبر 24, 2012

1


أعرف الآن ماذا أريد، منذ زمنٍ توقفت عن الأمل وعن الحلم وعن كلّ الكلام الفارغ الذي يرسم لك الوطن الجميل. تلك الدولة التّي نرغب في بنائها من قبل أن نولد من أرحام أمهاتنا، وتبقى ثقلًا على نفوسنا تأرّق المجرى الطبيعي للحياة التّي كتبت لنا على هذا الكوكب. أنا لم أعد أريد الدولة القوية ولا الوطن القادر ولا الشعب البطل، أنا لم أعد أريد مؤسساتٍ خاليةً من الفساد وحياةً نقيّة، ومشاريع لعشرين عامًا إلى الأمام. كلّ هذا سقط منذ زمن، صار خرقةً بالية تنشر على حبل غسيل نتنٍ يفضحنا أمام العالم. ما أريده اليوم أكثر من أيّ وقت مضى هو الصمت. أحتاج إلى أن أخيط فمي وفم كلّ من يعيش على أرض هذا البلد، أحتاج إلى أن لا أسمع أيّ كلامٍ بعد الآن، لا حديث عن سلامٍ أو حرب، لا حديث عن غلاء معيشة أو وعودٍ جوفاء، أريد من الجميع أن يصمت، أن يسكت فلا يُسمع في البلد غير صدى الأنفاس. كل الأحداث التّي سبقت تؤكّد أنّ لبنان واقعٌ في فخّ الكلمة، تطبق عليه الأحرف كما يطبق الحبل على رقبة القاتل، كلمةٌ صادرة عن زعيمٍ أو صاحب رأي أو حتّى مواطنٍ بسيط تحدّد مصيره، تغدو الشعرة الفاصلة بين الخراب وبين انتظار الخراب. تحكمنا الكلمة بسطوتها المهيبة،  تتحوّل إلى تفنيصة أي كلامٍ صحيحٍ بخلفيةٍ كاذبة، تلبس ثوب المشورة  الرعناء التّي كادت تودي به إلى نارٍ مؤججة. كلامٌ غير مسؤولٍ تلهج به الألسن، صادرٌ عن حذاقةٍ أو بلهٍ أو رغبةٌ في التشاطر لاحتلال الصف الأمامي لا أحد يعلم. منذ اللحظة التّي وقع فيها الانفجار في الأشرفية عرفت شيئًا واحدًا، على الجميع أن يصمتوا، أن يكفّوا عن إطلاق التحليلات والكلام، على الجميع أن يخيطوا أفواههم ويمنعوا ألسنتهم عن اللعلعلة في فضاءات هذا البلد الصغير.

لا شيء أحتاجه الآن أكثر من ذلك، صمتٌ مدقع، كذاك المرسوم في عيون الرعية الخائفة من حاكمٍ ظالم. صمتٌ يشبه السواد، صمتٌ تشعر معه بالراحة من عبء الإصغاء وتكوين رأي واتّخاذ موقف. صمتٌ يريح مشاعرك وعواطفك  ويعينك على تجاوز أعتى الأزمات. أحتاج لنشرة الأخبار أن تسكت ولكلام الجرائد أن يتلاشى في الهواء أحرفًا متطايرة فلا نقدر على التقاطه نصًّا مفهومًا يساهم في تكوين رأينا وتعابيرنا. أحتاج للخيال الجماعي الذي تؤجّجه وقع الأحداث أن يهدأ، فلا ينبأنا بسواطير وسيوف وقطعٍ وانتقام. أحتاج للفعل أن يتوقف في تراكمه عن بناء ردّة الفعل المنطقية للتفكير القائم على أسس من سراب. أحتاج للاحتقان أن يتوقف، أن تثقب فقاعته فينتفي من الوجود، أحتاج إلى أن نطير متخففين من أحقادنا وكراهيتنا ووعودنا الانتقامية الفزّة.

بعد الصمت الذي أريده قررت أنّني أحتاج أن أكون مجرد إنسان، لا شيء أقل. لا أريد أن أكون رقمًا أو صفةً، أن تلاحقني الأعين لترميني باتّهامٍ لجرمٍ لم أرتكبه ولم يسألني أحدٌ عنه. لا أريد أن أحاسب وأشمل، أن أغدو فردًا في جماعةٍ تحمل انتماءًا معينًا وتحاسب وفقًا لفرضيات بناها الآخرون تبعًا لأخبارٍ وكلماتٍ يُثبت تلفيقها بعد هنيهةٍ من الزمن. أحتاج لأن أكون مجرد إنسان، لا مسلم ولا شيعي ولا سنيّ ولا مسيحي ولا أيًّا من الطوائف الثمانية عشر التّي يذكّرنا بها المجتمع الدولي كلّما أراد أن يتكلم عن خطورة الوضع في لبنان وعن  غياب إمكانية التعايش وخوفه الكاذب دومًا من خطر الانزلاق في حربٍ أهلية ثانية.

لا أريد دولةً ولا وطنًا ولا أيّ شيء من الديموقراطية والحرية والمساواة ، لا أريد سوى أن أكون مجرد إنسان، لا أكثر ولا أقل.

Advertisements