لأنّني سئمت التحليل والتحريم

Posted on أكتوبر 18, 2012

0


الحلال والحرام صار يستفزّني، ذلك الخيط الرفيع الذي يضعه المؤمنون بين الجنة والنار كأنّك حين تمشي عليه تترنح يمنةً ويسارًا خوفًا من أن تقع في غمار اللهب. أرى الخطأ في كلّ شيءٍ يشعرني بالثقل، لا يمكن لأمر صحيحٍ أن يكون عبئًا على صدرك هكذا بنيت نظرتي للحياة. هنالك خطبٌ ما، أن يُفتح نقاشٌ لساعة أو أكثر عن جواز هذا الشيء أو عدمه أمرٌ غير صحي. أن نغرق في فتاوى لا يمكن أن يقبلها عقلٌ أو منطقٌ بشري وتنطلق من بضعة أحاديث لا نعرف إن كانت صحيحةً أو منبوشة من عتمة التاريخ يجعلك تشعر بضآلتك. ذلك الرفض الذي تنبري بتبنيه بعض الألسنة وتشغل به العقول والمجتمعات ينبّأك أنّنا لسنا بخير.

ساعة وأنا أناقش إن كان نزع شعر الحاجبين بالخيط يقع في خانة الحلال والحرام، ورئيس مصر كان يرسل برقية محبّة وثناء مع سفير مصر الجديد إلى الكيان الغاصب، ساعة وأنا أجادل عن السبب الذي يدعو الإسلام إلى تحريمه وإلى تحليل التشقير مثلًا والجثث تتكوم في دمشق تحت راية التطهير، وأعمدة الأقصى في خطر، والختان في السودان لم يتوقف ، والتفجيرات باالعراق تحت حجّة تخليص الناس من أهل النفاق على قدمٍ وساق.

فليبدأ الإنسان بنفسه، ثمّ فليخرج إلى دائرة مجتمعه، ثمّ إلى دائرة الأمّة. لكن ماذا لو بقينا عالقين في دائرة أنفسنا، غارقين بتفاصيل لا تنتهي، تفاصيل تفتح علينا أبوابًا أكثر من التفاصيل، أسئلةٌ عن أشياء لا تفيد أي أحد حتّى ولو أنفسنا بشيء، ماذا يفيد إن عارض الدين نزع المرأة لحاجبيها بالخيط ، ماذا يفيد إن عارض الدين قفزة فيليكس، ماذا يفيد إن عارض الدين الابتسامة، ماذا يفيد إن عارض الدين شراء البطاطا، ماذا يفيد إن عارض الدين كلّ قشوره وبقي فارغًا من لبّ ما جاء للناس به.

أعرف أنّ الخلل ليس بالإسلام وكلّ هذه الفتاوى وكلام التحليل والتحريم محض اجتهاداتٍ لعقولٍ ترغب في تدجين البشر. الخلل ليس بالإسلام بقدر ما هو خلل بمن أناط على عاتقه حمل راية الإسلام وتطبيق الشريعة التّي شرّعت أحكامًا هي وليدة تفكيرٍ أشبه بشريعة الغاب. حرّمت على العقول أن تفكّر، استكثرت عليها ذلك. كلّ شيءٍ مربوط بالمقدس، بتفسيرٍ أو حديث، ولا يجوز الجدال بالمقدّس. بنوا أصنامًا في عقولنا نقدّم لها قرابين الوعي والتدقيق، نطفأ عيوننا عن رؤية حقيقة الأمور خوفًا من أن نُرمى بالخطأ والتكفير. كلّ هذا الاستغباء الذي نعاني منه جعل منّا أكثر تخلفًا ورجعية، كلّ هذا الاستحمار الذي يفرضه علينا بعض علماء الأمّة أسكت صوت الحقّ فينا وحوّلنا إلى رعاعٍ لا أكثر.

نحتاج إلى أن نطفأ مؤشر الحرام والحلال فينا ولو قليلًا، نحتاج إلى استراحةٍ من فتاوى التفاصيل، لننظر إلى الحرمات الحقيقية التي تأكل عالمنا اليوم، حرمة التعامل مع إسرائيل، حرمة الدماء المراقة باسم الدين في سوريا والعراق، حرمة الانشقاقات والتأويل، حرمة العقول التقسيمية التي لا تطمع إلّا بكرسي يعيد إليها أمجاد خلافةٍ عتى عليها الزمن، حرمة قتل الحياة بسهام الموت، حرمة تحويل الأرض إلى جهنم بحثًا عن جنةٍ في السماء، حرمة التفرقة، حرمة الابتذال والمساهمة في انحطاط العقول، حرمة تحويل الدين إلى تهريجٍ دائم يسمح للقاصي والداني بالنيل منه.

الدين ليس نزع شعر حاجبين، ولا تصغير أنفٍ ولا تطويل شعرٍ ولا نومٍ مع زوجةٍ بعد وفاتها، الدين ليس خيارةً ولا جزرةً ولا تفكير أعوج يرتأي في تعميم نفسه على البشر. الدين خير وصلاح وخفّة  تدفعنا للأمام لا تبقينا مشدودين إلى زمن الجهل بنير الاستحمار والاستغباء.

Advertisements
Posted in: عشوائيات