فيليكس العظيم

Posted on أكتوبر 15, 2012

0


يحدث للعربي أن يشعر أنّه يعيش على كوكبٍ آخر، تنهمر عليه إنجازات العالم كزخّ المطر وهو غارقٌ في خلافات سحبها من قلب الماضي ليبني على أرضيتها مستقبله الذي يطمح إليه. كأنّنا على كوكبٍ آخر، نعيش خاتمة الزمان بينما غيرنا يفتتح كلّ يومٍ فصلًا جديدًا من الحياة، دفنا أنفسنا على ظهر الأرض وأوقفنا الدم الدافق في أجسادنا لنتحوّل إلى جثثٍ متجولةٍ  تسقطها رصاصات المسلّح والقنّاص لتنضم إلى جوقة الضحايا  والشهداء. يحدث للعربي أن يشعر أنّه يعيش خارج الزمان والمكان، يبحث عن جدوى الحياة  وهمّه يكمن في صناعة الموت، يبحث عن الأمل وحياته سلسلة من حروبٍ وانتظارٍ لحرب، يبحث عن حلول وإذ به يقع في أزمات متلاحقة  يتوارثها الابن عن الأب والجد. يحدث للعربي أن يشعر بضآلته في هذا الكون، مازال يطالب بنفس الأشياء منذ انعكاس الضوء في عيناه، تبدو حياته بصورة خطٍ مستقيم لا يجوز لها أن تنحرف إلى زوايا الكون المعتمة، عليه أن يبقى عالقًا هكذا مسمرًا مكانه والموج من حوله يلاطم الأجساد. يحدث للعربي أن يفكّر بالتغيير فينقلب  معه إلى انعزالٍ وتقوقعٍ غريب يرمي معه أيّ آخر بالكفر لأنّه الآخر، لأنّ الآخر يجب أن يكون على خطأ وهو وحده على الصواب. يحدث للعربي  أن لا يعرف أنه ليس بخير، وأنّ شيءًا خطأً يُمارس في عالمه، يحدث للعربي أن لا يعرف أنّ وضعه غير صحي وأن تقلباته التي يمارسها لن تودي به إلى أي مكان. يحدث للعربي  أن يرفض الاعتراف بأزماته، يصرّ على حاله ، نعم أنا بخير، أنا بخير، يردد ويردد وفي أعماق نفسه يعلم أنه ليس بخير، لا يمكن أن يكون بخير وهو يفتش عن علامات توسم آخر الزمان، لا يمكن أن يكون بخير وهو يبحث عن نهاية لتاريخه، عن المعركة الفاصلة  التي برأيه تحدد وجوده، لا يمكن أن يكون العربي بخير وأنفه يزكم برائحة الموت وأخباره سلسلة متواصلة لا تنتهي من الجثث، لا يمكن للعرب أن يكون بخير وكل ما تحويه نشرات الأخبار عنه هو مزيد من التصعيد، ومزيد من القتلى والجرحى والمعوقين، ومزيد من الذبح والسيارات المفخخة والأجساد الانتحارية. لا لسنا بخير، ونحن على كوكب آخر، هم يبحثون عن الحياة على المريخ ونحن نبحث عنها في حبّات التراب ولا نجدها، هم يقفزون من الفضاء إلى الأرض ونحن نقفز بين درجات الوحشية لنصل إلى دركها بعد قليل من الزمن. يحدث للعربي أن يفيض بالكلام الذي لا طعم له، بأن يُمني نفسه بأمور لينزع بها الهم عن قلبه، يحدث للعربي أن يقول نحن  سبقنا فيليكس على القفزة فرسولنا وصل إلى سدرة المنتهى قبل ألف عام، لا أعرف ماذا يدور في خلد العربي عندما يصر على اللجوء إلى الماضي ليبرر الحاضر المقيت الذي يعيش فيه. نعم، وصل الرسول إلى سدرة المنتهى لكن أين أصبحنا نحن منها بعد أكثر من ألف عام، لا زلنا واقفين عند باب الخيمة نعدّ رمل الصحراء.

Advertisements
Posted in: عشوائيات