المجرم والبريء

Posted on أكتوبر 13, 2012

0


المجرم هو من حبّة ترابٍ من وطنه لا تهون عليه، يفكّر ألف مرةٍ كيف يدافع عن أرضه، كيف يُبقي على أسوار العزّة منتصبةٍ في عالمٍ تتسرب فيه الكرامة  من قواميس الشعوب. المجرم من يرى في نفسه قوّة بإيمانه وعزيمته، يعلم أنّ لا محتل باقٍ ما بقي الدهر، يفكّر بالنصر في قلب عالمٍ تتربّع على عرشه ممالك الهزائم. المجرم من يقاوم مشاريع الهيمنة والاستعمار ، من يرى في نفسه ندًّا يخافه كيانٌ غاصب، من لم يصافح ولم يبكي ولم يتآمر، المجرم هو المغامر لإنقاذ أرواحٍ وأجساد، المجرم من يبني الحياة بقطرات دماءٍ لا تجف  ولا تذوي. والبريء هو  من لا يعرف الفرق بين الوطن والمسكن، أكثر ما يهمّه كرسيّ يضمن له منصبًا يتوارثه  الأبناء عن الآباء، البريء من لا فرق عنده إن طالت الحرب أو قصرت مادام فيها تحقيقٌ لمصالح وأمنيات، البريء هو من لا يخفي عن الخارج سرًّا من أسراره الداخلية، يفضّل البقاء متواريًا خلف أكتاف الآخرين، يحتمي بغيره، يتسلّق على أكتاف شعبه، يكبر عندما يضعفون ، ويتضائل إن رأى فيهم همّة تزيد، البريء هو من يتوّسل الأيادي ويقبّل الوجوه و يستضيف العدو بفناجين من الشاي ومن فوقه تحلّق طائرات تقصف الأرض والناس ليل نهار. البريء من يلتزم الصمت على اختراقاتٍ فاضحةٍ يمارسها الإسرائيلي كلّ يومٍ على حدود البلاد ويستنفر لإنجازٍ قام به المجرم ذات نهار. البريء من يفضّل أن يكون مهزومًا يعيش في أمان على أن يكون منتصرًا مهدّدًا بالاستشهاد. البريء هو الذي يتحين الفرص للإنقضاض على الفريق الآخر، فالشريك المقابل أشدّ وطئةً عليه من عدوّه، يرفض  اليد الممتدة إن لم تخدم مصالحه، يرفض أن يكون كبيرًا، البريء ينحشر في زواياه المعتمة، يقتّش عن الهفوات والحفر الصغيرة، يفكّر كيف يقضي على الآخر الذي يكرهه ولو استلزم الأمر معمعة وحربًا داخليةً وقتلًا وخطفًا وزعزعةً.. المهم أن يموت الآخر، المهم أن يموت المجرم، يقول البريء.

المجرم في مصر ليس حسني مبارك ولا أبنائه ولا أزلامه الذين عاثوا في الأرض فسادًا لثلاثين عام، المجرم في البلاد ليس من أطلق النار على متظاهرين أبرياء، ليس من فجّر كنيسةً ليشعل فتيل برميل النار، المجرم في مصر هم شباب الثورة الذين قالوا بأنّ التغيير لا بدّ آت، المجرم في مصر من أراد المحاسبة وسعى إليها من رفض حجّة العفو كي لا تموت الثورة. المجرم في البلاد من أراد استرجاع كرامة الشعب وثمن دمٍ بريءٍ تساقط في الميادين، المجرم في مصر هو كلّ من آمن بأنّ زمن التغيير قد بدأ وبأن القطاف حان وإذ بمصر لم يتغير فيها شيء، اعتقالٌ تعسفي وإطلاق نار، عراك ودهمُ للحريات ورفضٌ للآخر في أي خط كان. والبريء في مصر هو ذاك الذي أودعوه خلف قضبان السجن كي تخفّ حمية الثوّار، البريء هو الذي قتل واختبئ واليوم نال البراء من دون أي عناء، البريء من كان فرعونًا ظاهرًا واليوم غدى اليد الخفية التّي تحرّك خيوط البلاد، البريء هو الممدد على سريره بانتظار الموت الذي كتبه على شعبه سرًّا وعلانية، البريء هو المتلاعب والفاسد والمهترئ ، البريء من يظن نفسه إلهً آخر تربّع على العرش بعد سقوط  الأول. البريء هو الذي أعطى  وعودًا وداس عليها، رسم صورته  البريئة لكن انعكاسها كان محض مجرمٍ آخر يستولي على البلاد.

المجرم في البحرين هم الأطباء والمدافعون عن حقّ الإنسان بالبقاء على قيد الحياة، والبريء هناك من يحاكم طفلًا ويرمي الناس خلف سجون الاعتقال لكلمةٍ وفكرةٍ تهدّد العرش الملكي القائم على جماجم الناس. المجرم في البحرين من يجوع ويُجرح ويختنق ويداس بالأقدام، والبريء هو ذاك الذي يخنق النسمة من أن تنطلق حرّة في الأجواء.

البريء في سوريا من يذبح على الهوية، من تعتريه رغبةٌ هائلةٌ لمصّ الدماء، من يرى في الناس قطعانًا لا يجوز لها أن تختلط، البريء في سوريا من يحزّ الرأس ومن يبسمل على رمي الأجساد، البريء هو من صور الجثث لديه أصبحت عادةً يوميةً  كالخبز والماء، البريء في سوريا من يشرب بحر السلاح ويطلقه رصاصاتٍ في وجه الأحياء، من يحرق المدن والأسواق، ويميت النبض العابق بالحياة، البريء في سوريا هو من يظن أنّ العنف سينبت مستقبلًا أو أنّ التطهير والموت ستسهّل إعلان القيامة.

البريء في الوطن العربي هو الشخص الذي تفوح منه رائحة النتانة، البريء هو المتسلّط والمهيمن، من يملك أسباب الحياة والموت معًا، من يرفض مطلقًا الآخر إذا ما كان في موقع قوّة وإذا ما انتقل إلى الضعف  بحث عن عاطفة القوم، البريء هو القاتل واللص والفاسد وصاحب المصالح واللاأخلاقي والمتهاون والمتزلّف والعميل، البريء هو كلّ أولئك .أمّا المجرم فهو المقاوم والكادح والحرّ والشعب والمظلوم والشريف والباحث عن سرّ الإنسانية في عالمٍ وضيعٍ يستكثر عليه أن يكون من بني آدم.

Advertisements