ملالا، الفكرة

Posted on أكتوبر 11, 2012

0


لا أطفال لدينا  في هذا القسم من العالم، لا فتياتٍ لنطالب بحقوقهن بالبقاء في عالمهن الصغير من دون أن يُنقلن عنوةً إلى عالم النساء. هذا اليوم لا علاقة لنا نحن به، لا شيء لدينا لنقوله في يوم الفتيات العالمي، لا عنفٌ ولا تزويجٌ ولا ختنٌ ولا ظلمٌ ولا اضطهادٌ ولا اغتصابٌ عقليٌ وجسديٌ لأجسادٍ نحيلةٍ نصرّ على مفهوم وأدها مهما تقدّم بنا التاريخ.

لا تحزني يا ملالا، فالرصاصات التّي أطلقت صوبك كانت متجهةً لعقلك الذي يختزن الأفكار التّي يكرهوها، لا يهم كم عمرك ولا أين كنت، المهم لديهم أن يقتلوا الأفكار التّي تحتويها جمجمتك ولو كنت ملفوفةً بقماطةٍ وتلعبين بين ذراعي أمك. لو كنت طفلةً رضيعةً وعرفوا أنّ فكرةً من تلك التّي يكرهوها ستتوّلد في رأسك لكانوا دفنوك تحت تراب الأرض من دون أن يعلم العالم بك، لا تحزني فالرصاص كان آتيًا آتيًا لم تكن سوى مسألة وقت، كانوا ينتظرون تلك الأفكار لتتخمر وتنضج حتّى يصبح استأصالها أسهل، تمامًا كما موتك.

مرارةٌ تسكن في حلقي، أيّ عقولٍ بشريةٍ تلك التي تملأ مكاننا الذي نعيش فيه، أيّ تفكيرٍ رجعيٍ يعشّش داخل الأجساد التي تحكم بالدم والنار، تقتل كلّ ما لا يعجبها، ترفض أيّ شيءٍ سوى ما نسجته أفكارها المتطرفة والمملوءة بالحقد على من ينتعش لنسمة حريّة تهتزّ لها الأجساد قبل القلوب. أيّ عالمٍ ذلك الذي نعيش فيه، أيّ حقدٍ ذلك الذي يجعل من الاقتصاص منك واجبًا شرعيًا يضمن الجنّة لمن أطلق النار نحوك.

تلك الأمّة التّي تنتفض مرّة واحدة لإساءة من كلامٍ أو صور تطال نبيها، ترجف من رأسها لأخمص قدميها إن سبّ أحدهم إلهها، كيف لا تعرف أنّ النبي يسكن في قلب كلّ إنسانٍ فينا، كيف لا تعرف أنّ الرسول لا يهمّه ما طاله من شتائم لفظيةٍ لا تعنيه، لا تعرف هذه الأمّة أنّ الرسول يموت كلّ يومٍ ألف مرّة إذا ما اقتنع مسلمٌ أن تفجيره لجسده بأجسادٍ بريئةٍ يوصله إلى حضرته، يموت ألف مرّة للوأد الحقيقي والمعنوي الذي يطال النساء بحجّة تعاليم ارتئتها فتاوى القوم، لا تعرف هذه الأمة أنّ الرسول يموت ألف مرّة لسننٍ أقرّها عنه رجال البلاد وما أراده سنّةً أخفوه خلف سابع باب. هذه الأمّة التي يستفزها بنطالٌ ترتديه أنثى، أو تعليمٌ تطالب به أنثى، أو كلمة حقوقٍ تتفوّه بها أنثى، هذه الأمّة التي لا ترى مانعًا من تزويج فتياتها بعمر الزهور حتّى تسدّ أمامهن أيّ بابٍ يرغبن في فتحه من أبواب العالم الكثيرة. هذه الأمّة التي يرتبط شرفها كلّه بتغطية نسائها، فكلمّا ازدادت الأغطية برأيها ازدادت الأمّة شرفًا، كلّما اسودّت الطريق أمام الإيناث وعجزن عن رؤيةٍ واضحةٍ كان للأمّة ما تريد. أمّا مسائلها الأخرى فلا يهم، الجوع والفقر والتخلّف والبطالة وسطوة الحكّام والدكتتاتورية والقمع والاضطهاد والاستعمار والاحتلال والجهل والتجهيل كلّ ذلك ليس من هم الأمّة بشيْ، لا يدخل ضمن طموحاتها.

يخافون يا ملالا، يخافون صوت العقل الذي ينضج فيك، يخافون أن يكتشف أحدهم الحقيقة، فيخرج من بيته مجاهرًا بها، يخافون من أن يسقط القناع عنهم، أن تُنزع الفزّاعة، الموت هو ما أرادوه لك، لو كان يباع في الأسواق جرعاتٍ لاشتروه ليشرّبوه لكلّ فكرةٍ جميلةٍ تنطلق من ثنايا العقول اليانعة. لا يريدون لأحدٍ أن يهدم الصنم الذي شيّدوه على مرّ الأعوام، العالم من حولنا يعجّ بالطالبان، بالجماعات التّي تظنّ نفسها خليفة الله في أرضه وهي لا تعلم أنّ كلّ إنسان خليفةٌ للربّ هنا، لا تعلم أنّ المرأة خليفة والطفل خليفة والفتاة الجالسة خلف مقعد الدراسة خليفة، لا تعلم تلك الجماعات أنّ اللحية ليست شرطًا من شروط الخليفة، وأنّ القتل ورمي الناس بحكم الموت ليس من مهمّة الخليفة وأنّ تحديد حجم العقول وما تحويه من أفكار ليس ما يقوم به الخليفة.

يخافون يا ملالا، لا يرون فيك طفلةً صغيرة بل محض نورٍ سيتمدد يومًا ما فوق عالمهم المظلم، يرون فيك المرأة التي ستكبر لتحاربهم، يرون فيك سلاحًا فتّاكًا لا تقدر عليه أسلحتهم، الفكرة هي ما يخافون، أنت لست طفلةً بنظرهم أنت فكرة وكلّ ما فعلوه هو أنّهم حاولوا قتل الفكرة لا أكثر، ملالا الفكرة وليس ملالا الكائن البشري.

اليوم هو اليوم العالمي للفتيات، هو دعوةٌ لإبقاء الفتيات في عالمهن الوردي كبناتٍ صغارٍ لا نساء، حقهنّ في التعليم والدراسة، محاربة كافة الظواهر التي تطالهن من تزويجٍ وختانٍ واعتداءات بحق أرواحهن الفتية. اليوم هو يوم الفتيات اللواتي أجبرن على دخول قفصٍ تفرضه مجتمعاتهن عليهن حتّى لا يتحولن إلى صورةٍ يخافها نفس المجتمع الأبله المتمسك بتقاليده وعاداته البالية. المجتمع الذّي لا يكفّ عن وأد روحه وسرّ قيامه في بطن الأرض . السرّ في قيامة الأنثى، السرّ في الأنثى.

ملالا يوسفزي فتاة باكستانية بدأت العمل كناشطة في حقوق الطفل في سن الحادية عشر، عُرفت عالميًا بعدما انتقدت في مدونتها باللغة الأوردية  أعمال العنف التّي ترتكبها جماعة طالبان في وادي سوات وفي المناطق المجاورة بحقّ النساء والفتيات.  نجت من الموت بعدما تعرضت لطلق ناري في رأسها من قبل رجال طالبان المسلحين.

Advertisements