أنا في القطيع

Posted on أكتوبر 6, 2012

0


وحدها الشجرة المثمرة تُرمى بالحجارة، تعلم أنّ الأعين تترصدها وتنتظر من غصنها المثقل أن يميل لتقطفه الأيادي الطويلة. أتسائل دومًا عن سرّ هذا الهجوم الدائم على المقاومة، هذه الرغبة العارمة التي تسكن في قلوب البعض لبثّ الكراهية والحقد. شيءٌ غريب، تتكرر معه الاتهامات والكلام الفارغ والاستنتاجات البلهاء، ترتفع الأصوات لتتحدث بلسان شعبٍ تعتبره تلك الحناجر مسلوب الإرادة أعور العين غير قادرٍ على رؤية الحقيقة.لماذا يزعجهم حزب الله لهذه الدرجة. تلك العقول التي تدّعي الانفتاح والقدرة على تقبّل الآخر حتى ولو كان صهيوني. تلك القلوب التّي يرقّ قلبها لموظفين في صحيفة إسرائيلية فتعلن تضامنها معهم من دون أدنى شعورٍ بالعار والغثيان. من أين يفكّرون، وكيف يصلون لهذا المستوى من الضحالة. كأن في المقاومة عيب يعرّيهم ، يكشف أنانيتهم المطلقة ونرجسيتهم العمياء لريادة الرأي الواحد الذي يقودهم إلى جنة الحضارة الزائفة المبنية على جماجم الأبرياء على مر التاريخ. يرون في كلام سيدها سهامًا تخترق قلوبهم، يشمأزون من جماهيرها بطريقةٍ عنصرية، تحوّل الإنسان وحقّه الطبيعي إلى حشرةٍ في قطيع يُساق لا أكثر، يتكلمون عنه وكأنّه أخرس وهم إن تكبدّوا عناء سؤاله لن يجيبهم إلّا بعكس ما يبغون. في كلّ إنجازٍ لامعٍ للمقاومة وحزبها، من تحرير الأرض إلى تحرير الإنسان، إلى تحقيق النصر وبناء توازن رعبٍ، نجدهم يحاولون طمس هالته لكنهم أبدًا لا يقدرون، وفي كل هفوةٍ يكيلون المزيد من زعافهم ويحشونه بما تهيأه له عقولهم.
هم لا يرون اصطفافهم، لا يقتنعون أنهم تمامًا مثل من يحاربونهم يدافعون عن أفكار ومنطقٍ يأمنون به. يظنون أنّهم أحرار وهم موثوقين بسلاسل تشدّهم للمراكز والمال. لم يعرفوا معنى أن تسكن بيتًا تقابله فوهة المدفع، لم يسمعوا هدير طائراتٍ تحلّق في السماء لاصطيادهم، لم يروا أشلاءً وما تنفست أنوفهم رائحة الموت، ما تعمدت أجسادهم بالدماء وما اكتست مناطقهم بالسواد، لم يسيطر عليهم رهاب الحرب ولا ذاقوا أذى التهجير، عاشوا في مأمنٍ من كلّ هذ، هم يعرفون أنّ الشهادة لا تعنيهم ولن تقرب دارهم أصلًا لكنها رغمًا عنهم تستفزهم، يزعجهم ذلك الإيمان بالتدخل السماوي، يقضّ مضجعهم تحدٍّ يرونه أبلهًا بين آلةٍ عسكرية جبارة وشبابٍ يسكنون قرًى وتدربوا على الحرب قفزًا بين أشجار الزيتون وخلف الصخور. هم يفكرون بمنطق وفي المقاومة ينتفي المنطق وتذوب الخطط وتعلّق الاستراتيجية على حائط الزمن.
هنالك سر، لماذا يريدون منّا أن نكره المقاومة بعد كلّ هذه الإنجازات التي قامت بها، يشتغلون بأقلامهم السوداء وألسنتهم الحاقدة، نظرتهم الاستعلائية تلك وكأنّ في يدهم مفتاح الخلاص للعالم الثالث، ونحن نعرف أنّ خشبة خلاصنا هي في غرق أنظمةٍ تملأ جيوبهم بالمال والدولار. ما الشيء الذي يملكونه في جعبتهم ليتكلموا بمثل هذه الثقة العمياء، ليتطاولوا حتى يصلوا لحدود قلة الأدب في استهتارهم واستلشاقهم بالطرف الآخر. يسخرون ويهزأون ويدوسون ويحرقون أيّ شيءٍ يسهم بإعلاء الجماعة وهي رغم كلّ ما فعلوا تبقى عالية.
لا نستطيع أن نكره المقاومة، فمن فيها أهلنا وناسنا، ليسوا جماعةً من الأغراب، هم الأب والأخ وابن العم والصديق، لا يمكن أن نكره المقاومة وهي من دافعت عنا في الوقت الذي تخلّى فيه دعاة الإنسانية والحضارة عن رؤية الدم البريء، لا يمكن أن نكره المقاومة ولو وصفتمونا بالقطيع ولو أصررتم على فقداننا إرادتنا وعقولنا في الدفاع عنها والوقوف معها إلى أبد الآبدين. لابأس إن كانت المقاومة هي الراعي فأنا في القطيع، أنا في القطيع.

Advertisements