هل يمكن أن نجوع؟

Posted on سبتمبر 23, 2012

0


جدّي يقول بأنّ الجوع قادم، هو يراه بأمّ عينه يطرق حدود البلاد، يتكلّم وكأنّه النذير، ترى في حديثه جديّة تشبعك بالخوف. جدّي الذي ابيض شعره من هول ما رأى في شبابه من مشاهد رسمت معالم حربٍ أهلية، لا ينفكّ يحذرنا، من كيس الطحين الذي سيغدو أغلى من الذهب، من تهاون الناس وعدم إدراكهم لحقيقة الأمور. لن نجد البسكويت حتّى نأكله، قد نضطر لذبح القطط، أراجع الآن في عقلي قصص توفيق عواد عن المجاعة التي عمّت بلادنا في الحرب العالمية الأولى، أو تلك الصورة التي انطبعت في أذهاننا من كتب التاريخ، الشبح الأسود الفارغ الفاه الذي يبلع الجموع البشرية القادمة نحوه. رغيف الخبز، الأجساد الهزيلة، العظام الناتئة المصبوغة باللون الأصفر، الأطفال الجوعى، والنسوة الوحيدات، والرجال المسحبون إلى حربٍ لا دخل لهم فيها، هل يمكن أن تتكرر مثل هذه الصور في يوم من أيامنا القادمة.
روسيا والبرازيل والولايات المتحدة لم تعد تلبي احتياجات السوق العالمية من القمح والذرة وحبوب الصويا، المواسم الزراعية في بلدان عديدة تخرب نتيجةً لتقلباتٍ مناخية حادة وعواصف وأعاصير ليست من صنع الله بقدر ما هي نتيجة لتدّخل الإنسان في صنع الله. بلادنا أمنها الغذائي مختفٍ خلف غبار التخلف وغياب الإنماء والتحديث في قطاعٍ يجب أن يكون عصب الوجود في الحياة الإنسانية. أسعار المواد الغذائية تعلو عالميًا لا شيء يقف في طريقها، لا دولٌ مشغولة بكيفية إشعال فتيل الحرب وبمكان الضربة الأولى، ولا شعوبٌ مؤمنةٌ لحدّ الآن بأن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
الوضع مخيف، ليس شبح حربٍ كونية وحده هو ما يهددنا، وليس سباق التسّلح والتسليح هو ما يجعل من أوطاننا برميل بارودٍ قد ينفجر بشرارة نار. شبحٌ آخر هناك، مازال في زوايانا المعتمة، لم يظهر إلى العلن، ولم يبرز براثنه ليقضم من لحومنا. لا يمكن أن نموت من الجوع في هذا القرن، هذا ما تقوله لنا مظاهر الحياة الفارهة التي تحيط بنا. لكن غدًا لا شيء يمكن أن يقف أمام كسرة خبز، لا ذهبٌ ولا بيوت ولا سيارات ولا هواتف ذكية، ولا تخزين، ربّما شيءٌ واحد يكمن في العودة إلى الأرض لا أكثر.

Advertisements
Posted in: عشوائيات