شو يعني إنّك حضاري؟

Posted on سبتمبر 17, 2012

2


بعض العقول ترى في مقاطعةٍ منتجٍ إسرائيلي ما نوعًا من الردية والتخلف. تسخر من هذا النوع من المقاومة، وترفض أيضًا الخوض في صراعٍ مسلّح، تشمئز من السلاح، وتعدّ أيّ محاولةٍ لاستنهاض القضية الفلسطينية وأيّ حديثٍ عن تحرير القدس شيئًا غطّاه غبار التاريخ. برأي تلك العقول، الفن للفن، نكتفي منه بتحقيق متعة ذاتية حتّى لو كلّفت الدوس على قلوب الملايين. الحضارة عندهم حفلاتٌ ورقصاتٌ، حياةٌ فارهة مليئة بماركاتٍ عالمية لا يهم إن كانت تمتصّ مالهم وترميه قنابل على بيوتٍ فتحيلها إلى رماد، أو تقتل الكبار والصغار وتحوّلهم إلى مجموعةٍ من الجثث والأشلاء. ذلك الاستلاب أمام الغربي، نستحي بالدفاع عن حقٍ يستميت الغرباء إذا عرفوه بالتلويح به. ذلك الاستلاب الذي يدفع البعض إلى تشويه ثقافة الحياة، فتصبح الكرامة عبأ، والحرية استهبال، ومقاومة الاحتلال عبثٌ وجنون وطريق أقصر للانتحار.
لن نتنفس بعد الآن، فالهواء الذي يتنشقّه الإسرائيلي هو ذاته الذي تبتلعه أنوفنا، استهزاءٌ فجٌ من الدعوات لمقاطعة حفلٍ فنيٍ لفرقةٍ مؤيدةٍ للكيان الإسرائيلي تحييه في بيروت وتنتقل بعدها إلى تل أبيب لتطرب الشباب الصهيوني هناك.
يرى البعض في المقاطعة ثقافةً للموت والانغلاق على الآخر. حب الحياة لديهم يتّخذ شكلًا واحدًا، ما لهم لهم وما لنا لهم أيضًا، سئموا من الدعوات المستمرة والكلام الذي لا ينتهي عن عذابات الفلسطيني، همّهم كيف يفرحون وكيف يعيشون فقط، يرون في نمط حياتهم اللامبالي ذاك الطريق الأسلم على أرض النار.
ازدواجيةٌ في المعايير تجعل من بعض الشعوب مشروعًا انتحاريًا، تحوّل دمائهم إلى ماء، يصبح موتهم أقل من اعتيادي، والحديث عن التنكيل بهم نوعًا من الكليشيهات المكررة.
تعمم الحضارة على شعبٍ لتُفتح الأبواب أمامه وتسلب عن شعبٍ حتّى يصبح سحله تحت جنازير الدبابات نوعًا من الخدمة للبشرية جمعاء.
جيلٌ مرّ على مجزرة صبرا وشاتيلا ولم يتغير شيء، الأجساد المتكومة والموت الضاج بهمجية الكائنات لم ينتفِ من بلادنا، لم يتوقف الفلسطيني عن كونه القربان الذي يقدّم على شتّى الساحات. كأنّ القدر يوشوش بوجوب موته ولا يقف في وجه ملاكه كي يقتصّ الأرواح كيف يشاء.
ثلاثة آلاف مظلومٍ ذبحهم أدعياء الحضارة وفلاسفتها، من وقف لهم الإسرائيلي زجاج وقايةٍ من أعين العالم لينطلقوا بعدها في مهرجانٍ من القتل والذبح والاغتصاب والهمجية والحيوانية منقطعة النظير. لم يشفع شيءٌ لسكّان المخيم ذاك، لا نظرة طفلٍ بريئة ولا هلع نساء ولا عجز مسن عن وقف حفلة استمرت لثلاثة أيامٍ وليالي بحجّة التطهير. الحضاريون هم من فعلوا ذلك، من يظنون أنّهم يملكون النوعية، من يرون في أنفسهم الطبقة الأسمى والأرفع شأنًا وينظرون إلى من عداهم على أنهم حفنةٌ من الماشية أو الجرذان أو الجراثيم.
الحضاريون الذين يبخسون من ثمن أي مظاهرةٍ أو دعوةٍ للمقاطعة، من محوا فلسطين من مصطلحاتهم منذ قيام إسرائيل، الحضاريون الذين لا يمانعون أن يموت بضع آلاف من الأبرياء انتقامًا للزعيم. كأنّ دمه أنقى من دماء البشر الآخرين أو أنّ ثمن روحه تساوي تكديس الأجساد الباردة الخاوية من حرارة الحياة.
جيل مرّ وأدعياء الحضارة لم تنبس شفاههم عن أسى أو ندم أو رغبة في المحاسبة. أُقفل الماضي وثقل الأموات مازال يرزخ على ذاكرتنا، ضجيج الجثث وسكون الأحياء الموهولين من صدمة المذبحة وقسوة السفّاح.
الحضارة ليست حفلًا ولا جعجعة بكلامٍ فارغ عن السلام والانفتاح على الآخر، الفلسطيني هو الآخر، هو من علينا أن نمد له يدنا في هذا العالم، هو من علينا أن نتعايش معه ونعالج معاناته. الفلسطيني هو الجسد الذي علينا أن نبحث عنه بدلًا من اللهاث خلف الظلال.

Advertisements