ازددت غباءًا

Posted on سبتمبر 12, 2012

1


(١)
لم يخطأ ميلان كونديرا عندما قال ” كلّما ازداد غباء الإنسان ازداد عدد أطفاله”… أشعر اليوم بذلك. أتسائل دومًا كيف لم ترمني أمّي على قارعة الطريق وأنا التّي كنت دومًا أضجّ بالصراخ احتجاجًا على عالم ربّما لا يستحقّ أن نعيش فيه. أمي التي لم تتعب من تربية ستة أطفال وتصرّ على إنجابنا للمزيد منهم لا أفهم كيف استطاعت أن تبقى صامدةً في ظلّ عالم الأمومة المرهق. تعبت أنا ولم تتعب أمّي. أحيانًا أفكّر هل الأطفال نعمة أم أنّهم مجرد ثقلٍ يشدّنا إلى الحياة. نراهم جميلين وهم مغمضوا الأعين، ساكنين سكون الملائكة، نراهم جميلين بضحكةٍ بريئة، بصمتٍ هادئ، لكنّهم إذا ما ضجّوا وضاجوا انقلبوا إلى شياطين صغار.
هل يحتاج عالمنا إلى مزيدٍ من الأطفال، هذا المكان الذي يحوّل كائناته الصغيرة إلى عقدٍ نفسية ما لها من حل. يمارس عليهم فنونه بالتعذيب، لا يسأل عن حقوقهم البسيطة، ينجبهم ويشوّههم ومن ثمّ يسعى إلى إنجاب المزيد. تحوّل الطفل في بلادنا إلى عاهة، يكبر من قبل أن يولد، يحمل على ظهره قضايا وأزماتٍ ورثناها نحن عن آباءنا واليوم ننقلها كمرضٍ معدٍ إلى أطفالنا. يعيش الأطفال في دائرة همومنا الكبيرة، يفكرون بالحرب وبالمذابح، يفكّرون بنصل السكين، يفكرون بكيفية البقاء على قيد الحياة، يفكّرون بالموت أكثر منه بالحياة.
هل يستحقّ عالمنا الأطفال الذين ننجبهم، نحن الذين لا نقدر على تخيّل حياتنا بعد ساعة، تحيطنا لعنة الأوطان ولعنة الفراعين ولعنة الموت الجاثمة على البلاد. كلّما ازدادنا توغلًا في الزمن وجدنا أنفسنا عالقين في متاهة معقدة. الموت لا يرحل عن ديارنا، الظلم والجهل والتخلّف يملأ عالمنا ورغم كلّ هذه نزيد الطين بلة بتناسلٍ لا ينتهي. أنا لا أكره الأطفال، وأحب أطفالي ربّما أكثر من أيّ شيءٍ في الحياة، هم أجمل ما حدث لي على ظهر هذا العالم. لكنني أكره الغباء المستفحل في التعامل مع الطفولة والأطفال. إن لم يكن في تصورنا عالمٌ أفضل فلا داعي لإغراق حياتنا بالأطفال، إن لم نسعَ إلى عالمٍ فيه قليلٌ من الحب، وقليلٌ من الفرح فلنخبّأ أسرار الحياة داخل أرحامنا ولا نخرجها روحًا عليلةً مريضةً بالمآسي والأحزان.
(٢)
تطفأ اليوم شمعة عامك الثاني، مرّ عامان وأنت ملتصقٌ فيّ، لم أعد أتخيّل حياتي من دونك، عادةٌ سيئةٌ غدوت، عادةٌ أفتقدها إن غابت عنّي للحظات قليلة، وأكره تعلّقي الأبدي بها. مرّ عامان، صرخت فيهما كثيرًا، وبكيت كثيرًا، وتمنيت كثيرًا أيضًا أنّني لو لم أخطُ تلك الخطوة. مازال في داخلي بقايا من طفلةٍ صغيرة لم تنضج بعد، رغم ما مر، أحدّثك وأنا أعرف أن عليك أن تسامحني، ربّما لست الأم التي تحلم بها، لست حنونةً بما فيه الكفاية، تنتابني دومًا رغبة بالفرار، أحمّلك عبأ تضحيةٍ وحدي من اختارها، أفكّر كثيرًا بحياتي وهي لا تحمل طعمك. بعض النساء لا يصلحن لأن يكنّ أمهات، أخاف أن أكون واحدةً منهن. يستلزمني الأمر ربما كثيرًا من صبرٍ لا طاقة لي أن أتحمّله. أنا طفلةٌ صغيرة، سنكبر معًا عامًا بعد عام، تحتملني مثلما أحتملك، قد تكرهني كثيرًا، قد تحمل نقمةً كبيرةً في داخلك علي، لا أعرف كيف أمنحك حبًا أموميًا لا ينتهي، أن أذوب بك، لا أعرف كيف عليّ أن أهرب من لساني الذي يخذلني دومًا في الحديث معك. في داخلي حبٌ كبيرٌ لك، أنت تعرف، يرفض أن يظهر كفيضٍ من حنان. يرفض أن يعترف بوقوعي في شباكك. أنت الطفل الصغير الذي خرج منّي، لفظتك من أحشائي إلى عالمٍ أتمنى دومًا لو كان أفضل من ذلك. أخجل به منك، هو لا يستحقّ ابتسامتك ولا يستحقّ فرحك به. غدًا سوف تعرف أنّه لا يستحقّ كلّ هذا الجهد منك لتتعرف عليه، هو أحمقٌ أرعن، لا يقدر على تقديم أبسط ما تحلم به.
(٣)
فكرت فيك كثيرًا هذا العام، صرت أشكّ بإمكانية أن أراك شابًا. لم أعد أحلم بشيءٍ من أجلك. قررت أن أعيش معك لحظة بلحظة، أن لا أستبق الزمن هنا فلا شيء مضمون فيه. قررت أن أصبح أمًا بالدقيقة فلا أفكّر أي اختصاصٍ ستدرس، وأين ستعيش، وأتعب نفسي في تخطيط حياتك. أنا لا أعرف إن كانت تنتظرك حياة جميلةٌ أو مخاض آلام. فكرت فيك كثيرًا وأنت وادعٌ في سريرك يفتأ ثغرك كلّ حينٍ عن ابتسامة. اكتشفت عندها أنّ الأطفال كما الكبار يحلمون. وأحلامهم كما أحلامنا تتعب وهي تركض أمامهم وهم ورائها يلهثون. قد تظنني أمًا بلهاء، لكنني ما فكرت بشكل حياتك على قدر ما فكرت بصورة موتك. لا تلمني بل لم أرض النار المليئة بأبواب الموت وأشكال ملائكتها السوداء. رأيتك طفلًا في الحولة مذبوحًا بنصل سكين، رأيتك طفلًا داسته سلاسل دبابةٍ في فلسطين، رأيتك طفلًا بائسًا في شوارع اليمن، رأيتك طفلًا ككلّ أطفال العالم العربي، لا مكان لهم فيه والكبار مصرّون على إنجابهم. تخيلت موتك لكنّني لم أتخيل أسباب حياتك. كنت أوّد أن أعرف هل تختلف نكهة الأطفال في هذا العالم، هل يختلف طفلٌ يسكن أميركا، عن طفلٍ في الصومال، هل جوعه يختلف عن جوع ذاك، هل هو من طينة سماوية أخرى تجعل ثمن روحه أغلى. لماذا لا يضج العالم لموت أطفالنا وعذاباتهم ويولولون إن شقّت شوكةً جلد طفلٍ إسرائيلي بعث بيده صاروخًا ذكيًا أطفأ أرواح أطفال مروحين وقانا والدوير وغيرهم من مئات الأطفال اللبنانين المدفونين تحت ركام منازلهم وحطام سيارتهم في الحروب الكثيرة.
(٤)
رأيت، قلت لك أنّني ازداد غباءًا، لما كلّ هذا الهذيان وأنا التّي أقول أنّك لا تحتاج إلّا إلى قليلٍ من الفرح، لما كلّ هذه المأساوية وغدًا سيأتي طفلٌ آخر مازال يسكن جسدي، طفلٌ لا أعرف إن كنت سأحبّه بقدر ما أحببتك، لكنّك بالتأكيد ستبقى الطفل الذي تعلّمت منه أن أتعلّق بالعالم وأن أضحك في أحلك الظروف وأن أتصرف بلامبالاة وطيش وأن أصرّ على ما أريد حتّى لو انزعج العالم كلّه من ضجيجي، تمامًا مثلك، كطفلٍ أتمّ الثانية من عمره.
سنة حلوة يا قاسم.

Advertisements