بكرا الدولة بتنسى

Posted on سبتمبر 6, 2012

0


يتحدّث اللبناني عن تجربته في دول الخارج، عن اتّباعه للقوانين هناك وعدم قدرته على التفلّت من زمامها. يتحدّث عن أبسط الأشياء، عن الالتزام بإشارات السير المنارة أمامه، عن وضعه لحزام الأمان، وكيف أنّه لا يجرؤ على رمي نفاياته من دون أن تكون متّجهةً إلى سلّة مهملات. خرق القوانين في تلك البلاد محظور، هنالك حيث ينبت حسّ المواطنية في روح اللبناني، فيعرف أنّ مقابل ما يقدّمه للدولة حقوقٌ مضمونةٌ تحوّله إلى إنسان. لا يحاجج ولا يتهرّب، فالقانون قانون هذا ما يقوله التفكير المنطقي لبناء أيّ دولة.
لكن حالما يصل الحديث إلى لبنان تنقلب الآية، كأنّ مسًّا أصاب اللبناني وأعماه عن رؤية الحقيقة. يتحوّل المواطن الساكن فيه إلى كائن شرس، يرى في البلاد غابةً مشرّعة الأبواب لا يعيش فيها إلّا من رفع صوته ونفخ عضلاته واحتمى بجماعته ليحقّق كافة مآربه.
من الساعة التي تطأ فيها قدماه أرضه ينقلب كلّ ما تعلّمه في أصقاع الأرض إلى هباء. يصبح تهرّبه من القانون نوعًا من الذكاء اللبناني، رفضه لتطبيق الأنظمة وتحايله على التفاصيل شطارةٌ يستحقّ عليها أرفع الأوسمة. اللبناني في لبنان غير اللبناني في أيّ دولةٍ من العالم. يتزمّر من الفوضى لكنّه غير قادرٍ على التخلّي عنها. يحتجّ على فلتان البلاد لكنّه هو نفسه يرفض التقيّد بأبسط القوانين.
رغم كلّ ما مرّ من أزمات كبيرةٍ على لبنان أقلّ ما تستوجبه هو تغييرٌ جذريٌ يقلب هوى الأوضاع. ظلّ اللبناني مكانه، يدور في بوتقةٍ من التحركات الكلاسية التي تنزل صباح الأحد لتطالب بترفٍ بما تريد. لم يقلب الشعب الوضع، لم يصرخ من جوارحه لافظًا لكلّ الهموم التي وُضعت فوق قلبه. انقطاعٌ لتيارٍ كهربائي يمتد لأيام يضع مصالح الناس في خانة الخسران، زيادة لراتبٍ لم تتم بعد حتّى ضربت الأسعار سقف الغلاء الفاحش، رفضّ لتسوية أوضاع الموظفين، ووضعٌ أمنيّ يهتزّ إذا ما انفجرت قنبلةٌ في الصين.
عدا عن قطع الطرقات المتبادل بين الأطراف كلّما احتاج أحدهم لتنفيذ مطالبه. أضف إليهم الإرهاب والإرهابيين وإطلاق العملاء دون محاسبةٍ من السجون.
شيءٌ ما يجعلك تعتقد أنّ على الشعب أن يقوم، أن يخرج مسعورًا إلى الشوارع ويرمي بمسؤوليه إلى قاع البحار. لكنّ الشعب لم يفعل شيئًا، ظلّ واقفًا ينتظر لمعجزةٍ ربّما لتحصل. رضي بساعتين من التغذية المتواصلة لإنارة منزله، ضبط أمواله على وقع ارتفاع الأسعار، نظّم حياته بما يتناسب مع فوضى البلاد. لا الوطن هدأ ولا الشعب بذاته سعى إلى تعلّم الهدوء.
أسبوعٌ مرّ على إقرار قانون يمنع التدخين في الأماكن العامّة، تطور ملحوظ في احترام قيم الحياة، لكن هذا القانون البسيط لم يرق لشريحةٍ من المجتمع اللبناني، لم يقنعهم بصلاح الأمر. فاستهترت به إسوةً بقانون حزام الأمان وقانون السرعة. رأت فيه استفزازًا يرتّب حسّ الفوضى بداخلها، يمنع عليها من تحويل رئات الناس إلى فحمٍ أسود.
” بكرا الدولة بتنسى” جملةٌ يتحوّل معها القانون إلى حبرٍ مكتوبٍ على الورق.
القانون اللبناني مكتوبٌ فقط، لا قدرة للدولة على تنفيذه ولا رغبة للشعب على الالتزام به. تناغم غريبٌ بين الحاكم والمحكوم لا يوّلد غير صيغة وطنٍ لا يقدر على الوقوف، أطرافه مهزوزة، ثقّته معدومة، وضعه متفلت من أية قيود.
تركيبة المجتمع لا تسمح للقانون بأن يحلّق فوق رأس الجميع، كلّ يشدّ لمن يشبه مذهبًا ونهجًا سياسي، يجعل من البلد كنتوناتٍ ومناطق قائمةً بذاتها حتّى لو رفضنا الاعتراف بذلك. العقلية اللبنانية تلك لم تتبدّل رغم مدّ التغيّر الذي عمّ عالمنا اليوم. العقلية الطائفية التي ترى في الآخر وحشًا يرغب بالاستيلاء على البلاد. هكذا يفكّر اللبناني في لبنان. ومن أجل هذا لن يتغير لبنان.

Advertisements