يوم تأكلنا النفايات

Posted on سبتمبر 5, 2012

0


” ما هيّ عايشة بالجنوب” ارتطمت الجملة في أذني، لم أستطع أن أتفادها أو أن أتجاهل وقعها على نفسي، جائت ردًا جانبيًا على سؤال لماذا التيار الكهربائي مقطوعٌ عندنا. وددت لو أجيب أنّ لبنان كلّه غدى بقعةً محرومةً وليس فقط كيانه السفلي، لبنان مكشوف الغطاء، العاري أمام محيطه دون حياءٍ يدفعه إلى حل أزماته المتواصلة منذ عقودٍ من الزمان. لكنّ الحديث ليس هنا، فما رفضت أنا أن أعترف به هو حقيقةٌ واقعة، تجلّت أمامي يوم رأيت المكان الذي أعيش فيه تلالًا من النفايات المنتشرة بعشوائية تشي بأنّنا لسنا في القرن الواحد والعشرين، وبأنّ كلّ منّا لا يملك من الوعي ما يجعله يتفادى هذه الأزمة. الجنوب لا يعرف كيف يتخلّص من نفاياته تتكوّم كيسًا فوق كيس، تنتشر لتحتل البقعة المحيطة من البرميل الذي خُصّص لاحتوائها، بعضهم يحاول ترتيباها في محاولة لإظهارها بصورةٍ حضارية، لكن هذه نفايات، والنفايات لا تكون حضارية إلّا بالتخلّص منها. ماذا نفعل؟ قد تبدو المشكلة ثانويةٍ أمام كمّ الأزمات التي تعترض البلد، لكنّها مشكلةً حيّة وحياتية تأثر على عيشنا. النفايات تكاد تأكلنا، لا البلديات تبدو قادرةً على إيجاد حلولٍ فعّالة ولا الدولة التّي مازال جبل الأوساخ في صيدا خير دليلٍ على جهودها المبذولة في هذا المجال. وليس هنالك من مبادراتٍ فرديةٍ تخلق من حل.
الوضع في الجنوب يتّجه إلى أن يتحوّل وضعًا كارثيًا في القرى التّي أقفل أمامها مكبّ النفايات أبوابه نظرًا لكونه مدخلًا حيويًا لقرية ما. ومنذ تاريخ ذاك اليوم إلى الآن تتسكع النفايات في أحيائنا لآجالٍ طويلة الأمد، تتكاثر من دون أن يعيرها مخلوقٌ انتباهه، المهم أنّنا تخلّصنا منها من منازلنا، المهم أنّنا أفرغناها عن ظهورنا ومن بطوننا ورميناها خارجًا، لا علاقة لنا إن اضمحلت واحترقت أو أنها بقيت في مكانها توّلد رائحةً ومنظرًا بشعًا وصورةً أبعد ما تكون عن الحضارة.
إنّها مسؤوليتنا جميعًا، مسؤولية الدولة والبلديات والناس، مسؤوليتنا في إيجاد حلولٍ تمنع من تحوّل مدننا وقرانا إلى جبالٍ متنقلةٍ من أكياس القمامة والأوساخ.

Advertisements