السيد يعرف…

Posted on سبتمبر 4, 2012

0


يعرف هذا الرجل كيف يبقى كبيرًا، يدرك تمامًا أنّ الثبات على المبادئ في عصر انهيارها هو مهمّته في هذه الحياة. مازال يكبر، لم تحدّ منه حربٌ ولا مؤمراتٌ داخلية، كلّ من حاول إخفاؤه أو ستر ضيائه ذاب في حضرته. ليس ملاكًا هو، وليس نبيًا ولا قدّيسًا ولا ناطقًا بكلام الله، هو رجلٌ فقط، من الرجال القليلين الذين صاروا عرضةً للانقراض. هو يعرف عمّا يتكلم، رغم ما صنعه لم يفاخر ولم يكابر، لم يتحوّل إلى فرعونٍ يقتصّ بجبروته من أرواح الناس. بقي ذاك السيد، الرجل الذي من وجهه يشعّ الضياء، السيّد في زمن العبيد لمصالح أو مال، إذا ما وعد صدق، وإذا ما حيّاه محبّوه اختجل.
السيد يعرف من يكون، هو ليس بحاجةٍ لمن يمدحه ويؤكّد صدقه، هو يعرف من يكون، حتّى الهواء الذي يحيطه إذا ما أطلّ يكاد ينطق من سكون، السيد يعرف، لا تهزّه سخريةٌ ولا تطاول ولا شتمٌ ولعن، جدّه قبله ظلّ ملعونًا لألف سنةٍ وما قدروا على إطفاء نوره. ثابتٌ كالرمح في قلب الأعاصير، شامخٌ كالطود لم يغير يومًا مساره.
لا يمكن لأحدٍ أن يكره هذا الرجل، لا يمكن لأحدٍ أن ينكر شيمه ومناقبه، لا يمكن أن ترى في حديثه غير واقعٍ ملموس، هو يعرف عدوّه وعدّونا وعدوّ الإنسان. يعرف كيف يحارب، لم يبع قضيته ولا تنازل عن أبسط حقوقها. لم يسلّم ولم يصافح، حارب ومن خلفه العالم أجمع، ما يئس يوم رأى الخذلان، ما هرب يوم دكّت الطائرات كلّ بقعةٍ من بلاده. ما اختبأ إذا ما رأى مسؤولياته، تحمّلها كوعدٍ جميل، ونفّذها من دون تمنين.
يعرف وجع الناس، ويعرف حزنهم وبحثهم عن غدٍ أفضل، قريبٌ منهم كان وما زال. هيكل دولتهم الغائبة هو، صورة المسؤول الذي يفتّشون عنه من غابر الأزمان، حضنٌ لجئوا إليه في وقتٍ أغلقت فيه الأكثرية أحاسيس المواطنة والانتماء. فيه يبحثون عن وطن، وبين ثنايا عبائته وجدوا ما يبحثون عنه.

من أين جاء هذا العالم بكلّ هذا الحقد ليرموه في وجهه، نحن لا نستحقّه، ربّما من الأفضل له أن يخرج عن سطح هذه الأرض. لا يمكن أن يسكن في الوطن الذي لا يعرف كيف يفتح ذراعيه لمن صنع مجده، يظلّ يطمس حاضره بهرطقاتٍ مأخوذةٍ عن هذا وذاك كي وازن بين أجنحته. هذا الرجل لا ينتمي إلى هنا، في كلامه صدقٌ لامع، في نبرته أصل العنفوان وأصل الكرامة، يده ثابتةٌ تعرف إلى من تتجه، وقع حروفه موزون. لا يمكن لرجلٌ يكرهه الإسرائيلي أن يكرهه أحدٌ بيننا، لا يمكن لأمنية موته أن تصبح عمّا قريب مطلبًا قوميًا. بوصلته مذ وجدت على وجه الأرض لم تتحرك قيد أنملةٍ عن كيان غاصب، لم تتبدّل ولم تتلوّن.
كيف يمكن أن يكرهوك، ويحاربوك، ويجاهروا بعدائك. كيف يمكن أن يسبّوك، ويشتموك، ويلعنوك. كيف يمكن أن ينسوا انتصاراتك اليتيمة على من اغتصب أرضهم ومقدّساتهم وكرامتهم. كيف يمكن أن يتجاهلوا أمجادك وثباتك وصدى كلامك المتردد في عقر دار صهيون.
لا يمكن لأحدٍ أن يكرهك أيّها السيد، لا يمكن…

Advertisements