“مين عمل بإمّك هيك حبيبتي”

Posted on أغسطس 30, 2012

0


لا يمكن لشيءٍ في عالمنا أن يصبح أكثر مهزلةً من الموت، الجثث المنتشرة في الشوارع، الأجساد الفارغة من الأرواح التي كانت تضجّ بالحياة، رائحة الموت التي لم تفرّق بين أحد أخذت الصغير والكبير، النساء والعجائز، شممناها وهي لم تكن غير صورٍ عُرضت علينا على شاشة التلفاز، كان الموت خلالها أشبه بمسلسلٍ كرتونيٍ لا أكثر، كان الموت بلا هيبة، بلا طعمٍ يملأ أفواهنا بالمرارة، فليموتوا، لا بأس إن رحل مليونٌ من أجل شهوات هذا ورغبات ذاك، لا بأس في موت الأطفال وذبح المدنيين كنعاج، لا بأس، فالبلد يحتاج قليلًا من التطهير حتّى تنقى دمائه، كأنّ الأجساد المكوّمة مجرد خرقٍ باليةٍ لم تدخل في حسابات أحد، أو ذاك اللون الأصفر المجلّل وجه الفتاة الصغيرة الجالسة قرب جثة أمّها الهامدة تنتظرها ربّما لتستيقظ إلى الحياة.
ليس المهم من قتل، وليس المهم تبادل الاتهامات وتحمّل المسؤوليات وكشف الحقائق والاقتصاص من القاتلين. المهم أنّ الموت كان فجًّ، حصد مئات الأجساد ولم يحصد أيّ استنكار، لم تهتز أحاسيس البشرية فتسارع إلى إيقاف عمليات القتل، حسّ الإنسانية ذاك اختفى خلف ستائر من التبريرات، على أحدٍ أن يدفع الثمن.. هذا ما يقوله التاريخ، وغدًا نبني على قبرهم الجماعي شاهدًا مكتوبًا عليه هنا من ماتوا فداءًا ليحيا الوطن و زعيم الوطن الذي كلّفه كرسيه أن يسبح في محيطٍ من الدماء.
الموت الذي أتانا من داريا وقبلها من حماة ومن الحولة ومن مناطق من أرجاء سوريا كان رخيصًا لدرجة أنّ من اشتراه لم يمتنع عن إعادة الكرّة. أنزل شياطينه وجنوده ليقتصّ من البشر العاديين، ليذبح من دون رحمة، حسّ القتل لديه لم يتوقف أمام نظرة الأطفال الفارغة، من أين جائت كلّ هذه القسوّة، رغبة الإجرام الجماعية التّي انتابت البشر هناك فحولتهم إلى ذئاب.
كلّ هذا الموت لم يدفع الأسد إلى الرحيل، مازال الثمن غاليًا، لم يستكمله الشعب بعد، الثمن غالٍ، ربّما بحجم الشعب هناك، مزيدٌ من اليتامى والثكالى وعاهات الحروب المستديمة، مزيدٌ من الكره يرغب في أن يعم البلاد. ما المطلوب بعد من سوريا أن تدفعه وأشهرٌ مرّت من انعدام الأمن والاستقرار، من لعبة الجلّاد والضحية، من الموت البارد كمصيرٍ رسم للناس هناك.
ماذا يريد الأسد ونظامه والمعارضة وجيشها الحر أكثر من ذلك. أن يبيعوا الموت للبلاد المجاورة، أن يطهّروا أرضهم من النجاسات المتبادلة، أن يقطّعوا رؤوس بعضهم فلا يبقى من الناس من جسدٍ متصلٍ برأسه. ماذا يريدون أكثر من ذلك، الموت في لحظة الهروب، الجثث المكومة فوق بعضها لعائلةٍ واحدة، الإجرام المتكرر بصورة مشابهة، الناجون المصدومون من هول المنظر وبشاعة المذابح.
يا رب، لو يموت المجرمون، لو يموت القتَلى، لو ينتفي الجلّاد وحامل السلاح ومن يحب اشتمام رائحة الموت، يا رب لو يموت الرئيس وحاشيته ومعارضيه ومن يتاجر بالدماء البريئة، لو يموت من يرمي السلاح لتحملها الأيادي الطائشة وتحوّل البلاد إلى بؤرة نار.

Advertisements